2016-10-12

عشر سنوات على إصابته الحرجة: "موتٌ طائشٌ ضلّ الطريق" إلى أسامة السلوادي
(الجزء الثالث والأخير)

بقلم: بسام الكعبي

هل إلتزم أسامة السلوادي بوعده، وحرر العدسة وتركها تسابق الضوء في كل إتجاه؛ منسجمة مع روح مغامر يحلق في الأمل، عدسة متوهجة لا تلتزم بقواعد جسد "مصلوبٍ" فوق عجلات.. كيف التقط أسامة فن التصوير؟ وكيف أنجز مسيرته الابداعية عقب إصابة خطرة قيّدت ساقيه فوق عجلات؟

أعاد أسامة تجميع أرشيفه المبعثر، وأصدر ثلاثة كتب: (فلسطين كيف الحال) سنة 2007، (القدس والحصار) سنة 2008، قبل أن يتفرغ إلى مشروع حياته بإطلاق توثيق التراث الفلسطيني: أصدر سنة 2012 (ملكات الحرير) متناولاً بلقطات محترفة الأثواب الفلسطينية المتنوعة؛ بألوانها المتعددة وتطريزها الدقيق، ونشر سنة 2014 (بوح الحجارة) ملتقطاً ببراعة فن العمارة المنتشر في فلسطين، وإحتجزها بمجموعة من اللقطات البارعة، وأصدر في نفس السنة (الختيار) مجموعة من صور بورتريه للرئيس ياسر عرفات خلال قيام الاحتلال بمحاصرته في مقر إقامته بالمقاطعة، وأصدر سنة 2016 (أرض الورد) بعد جهد متواصل طوال خمس سنوات، ووثق  بالصور كل الزهور البرية الفلسطينية، وتسمياتها، وتصنيفاتها وأسمائها العلمية، فيما ينتظر إصدار (زينة الكنعانيات) نهاية العام الجاري لتوثق صور صفحاته: الحلي والمجوهرات، ألبسة الزينة لدى الفلسطينيات، الحجب والتمائم المسيحية والإسلامية، وبذل أسامة سبع سنوات من الجهد لإنجاز الكتاب؛ الذي يصدر في إطار مشروع كبير لتوثيق التراث الفلسطيني، ويغطي عدة  أجزاء جديدة ومنها تصوير المأكولات الشعبية منذ العهد الكنعاني. يشغل التراث الفلسطيني  حواس أسامة؛ لكن المناسبة تتزامن سنوياً مع إصابته الحرجة في السابع من تشرين أول في مفارقة عجيبة.

نجمات فلسطين..
في السنوية العاشرة على إصابته الحرجة، أطلق أسامة مشروعه الجديد تحت عنوان (فلسطين صورة شخصية) أو بورتريه:  الفكرة  تلتقط مكونات التنوع الجمالي في فلسطين عبر الصورة الشخصية، سواء من مظهر الرداء،  أو تصفيف الشعر، أو كحل العيون ولونها. يتضمن الكتاب المرتقب نحو مئة صورة شخصية لأفراد من مختلف الفئات الاجتماعية والأعمار والأجيال والخلفيات. تراعي العينة  المستهدفة بالتصوير نسبة الإناث، الأطفال، كبار السن. تطوع عدد كبير  من الإناث والأطفال والرجال  للتصوير؛ بهدف إنجاح فكرته، وتحقيق مشروعه بإصدار كتاب جديد في سلسلة كتبه المميزة. تعتبر دراسة الحالة الفلسطينية عبر الصورة  فكرة رائدة على المستوى المحلي والعربي وربما الدولي، وتسجل باعتبارها خطوة فريدة من نوعها في مسيرة السلوادي.

أطلق أسامة العنان أيضاً لثلاثة مشاريع جديدة: (كلام على الحيط) يتناول فيه فن الجرافيتي من كتابة ورسومات على الجدران، ويتطلب توثيق هذا الجهد سنوات من العمل. (نجمات فلسطين) بدأ العمل على المشروع منذ فترة قصيرة، ويستهدف تصوير مائة ريادية فلسطينية، ونشرها في كتاب مع سيرة ذاتية توثق تجربتها الشخصية، ويتوقع إصداره في غضون العامين المقبلين. (التوثيق البصري للتراث) ويتوقع أن يخطف مشروعه المركزي عشرة أجزاء، ويستهدف التراث بكل تجلياته، وصدر منه: ملكات الحرير، بوح الحجارة، أرض الورد، وقريباً زينة الكنعانيات.

تم تكريمه سنة 2010 من قبل مهرجان الجزيرة للأفلام الوثائقية، وتسلم سنة 2012 من الرئيس محمود عباس الميدالية الذهبية للاستحقاق والتميّز، وحصل سنة 2014 على لقب (عين فلسطين) من إتحاد الكتاب واللجنة الوطنية للتربية والثقافة والعلوم. خطف غلاف عدد آب 2014 لمجلة (ناشيونال جيوغرافيك) الشهيرة إحدى صور (ملكات الحرير): سجل مراسل المجلة الصحافي اللبناني محمد طاهر تقريراً عن نشاطات المصور أسامة، مترافقاً مع مجموعة صور بتوقيع عدسته المحترفة، وسُجل التقرير باعتباره أول مادة تنشر عن فلسطين منذ صدور المجلة الأميركية سنة 1888، وبدء صدورها باللغة العربية من إمارة أبو ظبي عام 2010.

عمل أسامة مستشاراً لمؤسسة ياسر عرفات طوال ست سنوات منذ عام 2008، ثم إشتغل مستشاراً لمدة ستة أشهر في مكتب منظمة اليونسكو بمدينة رام الله. نظم مجموعة من المعارض الشخصية في الأردن، قطر، الامارات، مصر، الولايات المتحدة، فرنسا، إيطاليا إضافة إلى المعارض التي نظمها في فلسطين.

اعتمدته مؤسسة (شقائق النعمان) الفلسطينية رئيساً للجنة تحكيم أول جائزة أطلقتها المؤسسة تحت عنوان (تراثنا هويتنا) للتصوير الفوتوغرافي، وذلك بمشاركة أعضاء تحكيم من فلسطين، مصر، لبنان وتركيا. تسلمت اللجنة مائة صورة تتناول التراث الفلسطيني فقط، وستعلن اللجنة نهاية تشرين أول الجاري النتائج في اسطنبول بحضور رئيس وأعضاء لجنة التحكيم والمصورين الفائزين. لدى أسامة خبرة جيدة في لجان التحكيم المتخصصة بالصورة الفوتوغرافية، وحكّم في حقل الصورة الفوتوغرافية بعدة كليات ومعاهد جامعية.

شغف أسامة بتوثيق اللهجات المحلية والأمثال الشعبية باعتباره جزءاً من التراث؛ دفعه لشراء أجهزة تسجيل حديثة للبدء في مشروع جديد يستهدف الحفاظ على طريقة اللفظ الفلسطينية وإيقاع اللهجات المحلية وتنوعها وتمايزها، ويأمل خلال السنوات المقبلة تسجيل أكبر عدد ممكن من الأمثال الشعبية الفلسطينية المتداولة حفاظاً عليها من الاندثار.

أقام في مدينة رام الله  منذ بدء الإنتفاضة الثانية، وتزوج في بلدة سلواد المجاورة سنة 1990 قبل أن يتجاوز العشرين من عمره، وأنجب ثلاث بنات: جنان (22 سنة) أنهت دراستها الجامعية متخصصة في الإعلام، أفنان (20 سنة)  طالبة جامعية، كنده ( 12 سنة) طالبة مدرسة.

"غياب" ضلّ الطريق..
 أسئلة كثيرة تشغل عقل أسامه في  السنوية العاشرة لإصابته: كيف أدركُ أن  الذي أعيشه الآن ليس حلماً؟ هل أنا حي أم ميت؟ هل أفقتُ من الغياب، أم ما زلتُ غائباً عن الوعي؟ هل ما أراه الآن حقيقي أم إستئناف لغياب الجسد، وتحليق الروح في عوالم أخرى؟ لا شواهد تثبت غيابي أو حضوري. أشعرُ أن حواسي عاجزة عن التمييز بين الأحلام والوقائع!؟ لكن الجواب على كل الأسئلة التي تشغل دماغه وتشكك بوجوديته؛ تطل من أعمال مبدعة تتراكم يومياً ويعجز "الغائب" عن تنفيذها بحرفية وبراعة.

تزامنت ولادة أسامة على وقع عيد قديس الحب (فالنتين) في الرابع عشر من شباط، ويبدو أن طقوس الحب أصابت قلب المصور المبدع: طيب ومتواضع وبسيط، وفوق كل ذلك صلبٌ لم ولن ينكسر، إنتصر على أوجاعه وقسوة إصابته، وعاد إلى الميدان بعدسة متوهجة تسابق البريق لتلتقط أبدع الصور؛ وإن لمعتْ من فوق كرسي متحرك بعجلات مصور يتحدى الإعاقة ويصر كل يوم على قهرها..في الدقائق الأخيرة للقاء مشتعل بالحزن والكبرياء والتماسك، وقبيل مغادرة مكتب يستضيفه ويرتاح للعمل بين جدرانه في متحف محمود درويش، إلتقط يدي اليمنى وطلب  لمس الجانب الأيسر لصدره: ما الذي يبرز كنتوء غريب هنا؟ إبتسم المصور البارع بهدوء قبل إجابته: مشرط جراحه  نسيه الأطباء ليستقر على آخر عظمة في قفصي الصدري، وقد تمكن جسمي من عزله ببناء أنسجة حوله، ويظهر بوضوح كلما لمعتْ صور الأشعة في جسدي. للأسف كلما حلّ الشتاء يمزقني المشرط بأوجاعه، وقد بات مرشداً لي على إطلالة  الشتاء..هل أطل فصل الأوجاع بمشرطه؟! لأنتصر عليه بمقطع شعري يغردُ دوماً في قلبي؛ عندما يبرقُ بأمل ويرتفع بنشيد قصيدة محمود درويش (الآن..في المنفى):

 فأفرح، بأقصى ما إستطعتَ من الهدوء
لأن موتاً طائشاً ضَلّ الطريقُ إليك
 من فرطِ الزحام.. وأجّلك

* كاتب صحفي فلسطيني- رام الله. - bfeature2000@yahoo.com