2020-09-27

نصف قرن على غياب الناصر.. فلسطينيون ناصريون على العهد في حب عبد الناصر الأبدي

بقلم: زياد شليوط

عشية حلول يوم الثامن والعشرين من أيلول كل سنة، تعود بنا الذكريات والمشاعر الى ذلك التاريخ من عام 1970، يوم أن صدمت الأمة العربية بالخبر الصاعق الذي شلّ كل تفكير، الخبر الذي لف العالم العربي، وعالم المناضلين الشرفاء في كل المعمورة، بالحزن الشديد والشامل. الخبر الذي لم يتوقعه ولم يحتمله أحد، وهو وفاة الرئيس والزعيم العربي العالمي جمال عبد الناصر، بعدما أنهى مؤتمر القمة العربية الذي دعا اليه في القاهرة، بهدف حقن الدماء الفلسطينية- الأردنية في مجزرة أيلول الأسود.

وفي كل عام نتذكر ونستذكر. نتذكر القائد العربي الكبير الذي أحيا القومية العربية وحقق أول وحدة عربية حقيقية. القائد الذي جعل القضية الفلسطينية قضية شعب وحقوق وطنية وليست قضية لاجئين واستعطاف. القائد الذي تصدى للاستعمار ومخططاته الخبيثة، ووجه له الضربات القاسية منها تأميم قناة السويس وبناء السد العالي. الرئيس والأب الذي أنصف الفلاحين وأنهى الاقطاع والعبودية فوزع عليهم الأراضي، ووقف الى جانب العمال فبنى لهم المصانع والمساكن وأتاح للفقراء مجانية التعليم. نستذكر أعمال ومنجزات عبد الناصر لنتعلم منها ونعمل على تطويرها. نستذكر تجربة عبد الناصر لنقف عند ايجابياتها الكثيرة وندرس سلبياتها القليلة.

عشية حلول ذكرى مرور نصف قرن على رحيل الزعيم الخالد، التقينا مجموعة من محبي عبد الناصر والمخلصين لذكراه وطريقه من أبناء فلسطين، من المؤمنين برسالته حتى اليوم ويرون أن لا طريق آخر ليعود العرب وينهضوا سياسيا وحضاريا، بعضهم لم يتمالك دموعه وحشرجة صوته، وكأنهم يتلقون خبر رحيل الزعيم هذه الساعة. وطرحنا عليهم سؤالين وهما: السؤال الأول: كيف تلقيت شخصيا خبر وفاة الزعيم والقائد جمال عبد الناصر، بكل ما مثله من أحلام وطموحات وتحديات، وماذا كان تأثير رحيله المبكر والمفاجيء عام 1970؟ والسؤال الثاني: ما هو سرّ بقاء عبد الناصر على مدى نصف قرن، وأين هو اليوم في واقعنا وعصرنا البعيد جدا عما كان في زمنه؟

المحامي محمد ميعاري – حيفا:
سؤال تسبب لي بالتهاب المشاعر بالنسبة لي ولجيلي، فعبد الناصر كان هو حد آخر الدنيا، يستوعب كل الحياة والأحداث وما يدور في المنطقة والعالم بأسره. أذكر أني كنت في بيت حماي انتظر زوجتي لنصطحب ابنتنا ونعود الى البيت، وإذ بأحد معارفنا يدخل البيت وهو يصرخ سائلا: اين محمد؟ وفاجأني متسائلا: هل صحيح أن عبد الناصر مات؟ كان سؤاله بمثابة قنبلة تنفجر في وجهي، وخيّل إليّ أنه أصيب بمس من الجنون، هل يعقل أن يموت عبد الناصر؟ وأخذنا نبحث عن محطات الراديو المصرية وصعقنا بما سمعناه.

عدت في اليوم التالي الى قريتي المكر وتوجهت للنادي الثقافي، ففوجئت بالناس كلها في الشوارع، أحضرت صورة كبيرة لعبد الناصر من النادي خرجت بها وانطلقت مسيرة كبيرة من كل أهل البلد شيبا وشبانا نساء ورجالا، وبعد يومين أقمنا جنازة رمزية للزعيم، كما حدث في كل قرية ومدينة في فلسطين والعالم العربي. وأذكر أن والدي طلب من إمام الجامع أن يقيم صلاة الجنازة عن روح فقيد العرب الا أن الامام امتنع، فما كان من والدي إلا وأن رفع الأذان وأمّ في الناس.

سر بقاء عبد الناصر يعود لأمرين: أولا يتعلق بشخصية عبد الناصر وهيئته الكاريزمية والانطباع الذي يتركه على كل انسان لديه مشاعر. والثاني يتعلق بالرسالة التي حملها ونادى بها وما تمكن من إنجازه في فترة زمنية قصيرة. واضح أن الشخصية تكمل العمل والعمل يترك أثره على شخصيته.

يبقى ما يكمن في صدور الملايين على مستوى العالم العربي بالرغم من كل حملات التشويه والقضاء على تراث واسم عبد الناصر. وهناك إشارات أن الناصرية تحاول ان تطرح نفسها من جديد وترفع علم عبد الناصر والمشاريع والمواقف في وجه الاستعمار والرجعية ونلمس اليوم ان أقواله عن الرجعية والاستعمار ما تزال واقعية وصالحة لوقتنا. وعلى صعيدنا المحلي ما قمنا به من خلال لجنة مئوية القائد عبد الناصر ونحن مجموعة صغيرة لكنها فاعلة وتربطها علاقة بالمواقع الناصرية في عدة اقطار عربية على أمل ان تعود الناصرية كرمز لتجديد الحركة الوطنية والعروبية، خصوصا على ضوء ما يقوم به علوج الخليج من أشباه البشر، الذين يتبنون الهزيمة والذل الى جانب الاستعمار ضد العروبة وفلسطين. لم نفقد الأمل، نرى نقاطا الضوء المشعّة في هذا الظلام الدامس الذي يلفنا. إلى أن تشرق شمس الحرية والعروبة والتقدم، سيبقى عبد الناصر المشعل والطريق للأجيال الحاضرة والقادمة.

أحمد جربوني – عرابة: 
أذكر أنه ليلة وفاة عبد الناصر عدت متأخرا من العمل ولم أستمع للأخبار. وفي صبيحة اليوم التالي تأخرت بالنهوض وكعادتي أدرت الراديو الى إذاعة القاهرة وإذ بي أسمع عبارات حزينة وبعدها نعي الزعيم والقائد جمال عبد الناصر. وكان النعي صادما لي وتأثيره كبيرا عليّ، وكل انسان شعر بأن المصيبة حلّت في بيته. بعدها أخذنا نتابع الأنباء المفجعة. وخرجنا الى الشوارع حيث أغلق المجلس المحلي أبوابه وانطلقت مسيرة مهيبة في البلدة وفي يوم تشييع الجثمان في القاهرة أقمنا مسيرة جنائزية.

لقد جاء استشهاد عبد الناصر بعدما أرسى أسس التفاهم بين الأردن والفصائل الفلسطينية، أنجز عملا كبيرا، تمكن من احضار القيادات الى القاهرة وعقد الصلح بين الطرفين، لكن بعد وفاة عبد الناصر عاد النظام الأردني وتنكر للاتفاق. ومع ان القيادات الفلسطينية أخطأت بحق عبد الناصر قبل وفاته بايام على خلفية قبوله لمشروع روجرز، بهدف تحقيق انجاز عسكري نحو تحرير الأرض المحتلة.

عبد الناصر شخصية غير عادية وقلّ أن يجود التاريخ بمثلها بمواقفه وأعماله وخطواته. ترك لنا مجانية التعليم، السد العالي، التأميم، التصنيع، ترك العزة والكرامة عند العرب لا يعترف بها الا أقلية. العرب رأوا فيه وحتى اليوم هو القومي التي تجمع عليه كل الشعوب العربية، حوّل العرب إلى قوة موحدة لذا يذكر بالخير.

شاكر صنع الله – دير الأسد:
في ذاك الوقت كنا نترقب أخبار القاهرة وصوت العرب، اذكر أني كنت مستلقيا في شرفة بيتي، وعند الساعة العاشرة مساء قطعت الأخبار وبدأ اذاعة القرآن الكريم، وهذا مؤشر الى حدث جلل، وبعد قليل سمعنا أنور السادات يلقي بيان نعي الى الأمة العربية وعندما نطق اسم عبد الناصر لا أعرف كيف قفزت من سريري صارخا مناديا جيراني: يا عاطف، يا إبراهيم قوموا وشوفوا شو صار، فأطلوا من بيوتهم متسائلين ما الذي جرى يا أبا نزار؟ مات قائد الأمة العربية، زعيم العرب عبد الناصر. وليلتها لم ننم، شعرنا بأن هزة أرضية وقعت أبعدت النوم عن عيوننا.

في تلك الأيام لم تتوفر أجهزة تلفزيون، لذا سافرت يوم الخميس، الى شفاعمرو لحضور الجنازة، وعند مدخل المدينة أوقفتني الشرطة وعندما عرفت بهدفي قالوا لي بدل شفاعمرو سنأخذك الى مركز الشرطة في كريات حاييم.

زرع عبد الناصر القومية العربية من المحيط الى الخليج. أعداؤه وما يقولونه يزيد من أهمية عبد الناصر ونفوذه. يريدون تحطيمه من منطلق الحسد المدمر.

لا أحد ينكر اننا عشنا في فترة مزدهرة للأمة العربية في الخمسينات والستينات ما زال تأثيرها حتى اليوم ان هذا الزعيم أخرج شعبه من تحت الأرض الى فوق الأرض.

غرس فينا القومية الكرامة الشهامة له الفضل مثلما نذكر صلاح الدين، حتى مئات السنين سنبقى نذكر عبد الناصر نحن عشنا زمنه ونعرفه لم يكن مجرد رئيس.

أسعد قويقس – يركا:
كان يوما حزينا رأيت فيه والدي يذرف الدموع، وكنت في حرفيش مع صديق لي نستمع لإذاعة صوت العرب ونتابع وقائع الجنازة.

عبد الناصر يعني لي زعيما خارج الفضاء المحيط به، كان أملي في الحياة بفكره وعمله وسياسته. النهضة ووحدة العرب من المحيط للخليج. اليوم تكاد القومية تكون بعيدة عن أهلنا.

لا نحب عبد الناصر كمغن وفنان او انه انسان منزه عن المشروب والنساء حسب وصف الامريكان. وأرجّح انه مات بشكل مقصود ونتيجة مؤامرة. دلالة على ذلك ما فعله السادات بعد وفاته والانقلاب الذي قام به. لم يمر علينا مثل الفكر الناصري، طريقا ونهجا.

إما ان تكون ناصريا او لا تكون ولا تكون لك قيمة. عندما أستمع الى الهجوم على الناصرية وسوريا والمقاومة يصيبني الإحباط، لكن لا بد أن تعود الأمور الى نصابها، رغم اني لا أرى ذلك قريبا.

أنا حملت صورة عبد الناصر على كتف وصورة بشار على الكتف الثاني ردا على ثورات ما سمي "الربيع العربي". كان عبد الناصر روحا وليس انسانا عاديا، فتح طريقا جديدة. لا نتنازل عن طريق عبد الناصر القومية ونتمسك بهذا الفكر.

محمود يونس – عارة:
كنا في المدرسة  الثانوية  في الناصرة في الصف الثاني عشر. وقع الخبر علينا كالصاعقة، مفاجيء غير متوقع على كل انسان. كنا مشغولين بأحداث الأردن والمذابح التي ترتكب ضد الفلسطينيين، والأمل كله كان معلقا بعبد الناصر بانهاء هذه المجازر. وفجأة انتقل الخبر من عبد الناصر المنقذ الوحيد الذي علق عليه الفلسطينيون والعرب الآمال، الى وفاته المفاجئة.

دائما حصل تنافس بين القومية والدين كما جرى في أوروبا سابقا. الدين ايمان وعلاقة مع الرب، ويقوم البعض بمهاجمة القومية وعبد الناصر مستغلا الدين. من عاش زمن عبد الناصر لا يمكن ان ينساه. كنا نطرب لخطاباته من خلال صوته الرنان حتى لو لم نفهم كل خطاباته.

عبد الناصر باق في طريق الوحدة العربية، القومية الديمقراطية التي نادى بها. لدينا مقومات الدولة العظمى وخيرات وموارد طبيعية وسكان وتاريخ مشترك ولغة وجغرافية، ويمكننا أن نصبح من الدول الراقية.

الشيخ عبد الله نمر بدير – كفر قاسم:
قسم كبير من الناس خرجوا حفاة وبقمصان النوم والبيجامات، حتى من ظننا انهم موالين للسلطة خرجوا يبكون عبد الناصر بحرقة.

كان يوما عصيبا ولم نصدق الخبر لأيام وشهور. كان الجمهور يبكي في المظاهرة التي خرجنا بها بعواطفنا ومشاعرنا وليس لأن أحدا طلب منا أو دفعنا الى ذلك.

بعد 50 عاما انكشفت أنظمة الهرولة والتطبيع، واللاءات تحولت الى نعم جماعيا. من عاش في زمن عبد الناصر لن ينساه. لن ينسى الزعيم الذي خرج من تراب مصر، ونعاه حتى أعداؤه لأنهم عرفوا قيمة هذ الرجل، عرفته من بيته المتواضع والبسيط، وبعدما زرته وجدت أن بيتي أفضل من بيته.

ما يبقى يكمن في الاتي والذي لا يعلمه الا الله. من الصعب إيجاد قائد بقامة وقيمة عبد الناصر.

الشاعر أسيد عيساوي – طرعان:
تلقينا خبر وفاة عبد الناصر ونحن في سجن شطة، في صبيحة اليوم التالي للوفاة، حيث يفرض علينا سماع إذاعة إسرائيل. شعرنا بصدمة كبيرة وحل علينا حزن شديد سواء السجناء السياسيين وغير السياسيين. واتخذنا قرارا صعبا برفض الخروج للقاء الأهل لدى زيارتهم لنا. وبالنسبة الي شخصيا ما زلت أشعر بخسارة رحيل الزعيم عبد الناصر حتى اليوم. لقد فقدنا ليس الشخص فحسب بل المشعل الذي كان يقود مركب الأمة العربية نحو المستقبل المشرق. امتنعت عن زيارة مصر إلا بعد وفاة السادات الذي غدر بعبد الناصر وطريقه وقام بانقلاب عليه، وبعدها زرت مصر مرارا وفي كل مرة أزور ضريح عبد الناصر، ومن أهمها يوم الاحتفال بمئوية ميلاد عبد الناصر، حيث مثلت لجنة احياء مئوية جمال عبد الناصر في البلاد.

ما زال عبد الناصر موجودا لدى فئات كثيرة من الناس. سرّ بقائه يكمن في صدقه الشخصي والوطني، وقوة ايمانه بطريقه وعمله، وتواضعه من خلال سيرته الذاتية. هو الأمل، المنقذ، لا يوجد لنا من خلاص من واقعنا التعيس إلا باتباع طريق عبد الناصر المتمثل في القومية والوحدة، ويبقى فكره المظلة التي تجمعنا من كل الفئات والمشارب والمذاهب.

رفول بولس – كفرياسيف: 
كان خبر الوفاة أشد من وقع الصاعقة عليّ، ومن هول المفاجأة لم أصدق ما حصل ولم أستوعب ما جرى. كانت ضربة في الصميم أصابت القلب وصدمته. ومسّت الدماغ فشلّته، فما عاد القلب يضخّ الدم كالمعتاد، وما عاد الدماغ يسيطر على الأعصاب فتوقف عن التفكير. وتحولت في رمشة عين الى تمثال صامت جامدأ وأنا أقف أمام طلابي في المدرسة. وشاهدت أبناء قرية الجديدة حيث كنت أعلّم يخرجون بمظاهرة عفوية شيبا وشبانا، نساء وأطفالا يرددون هتافات الحزن والأسى يعتصرهم واتشحت القرية بالسواد.

تحلى الزعيم الراحل بصفات الرجال. كان صادقا وصدوقا في كل ما قال. عاش متواضعا ولم يلهث وراء الأخضر الفتّان أو الأصفر الرنّان ومنزّها عن كل عيب. فكيف ينساه ذاك الذي كان عبدا مظلوما فتحرر، وكيف ينساه من كان يزدرى فأصبح انسانا محترما وكيف ينساه من كان مسلوب الحقوق فاستردها وكيف ينساه من كان جاهلا فتعلم.

لقد مات عبد الناصر جسداً ولكنه باق بيننا معنا وفينا روحاً إنه يقيم في قلوبنا وعقولنا وأفكارنا، انه يقيم معنا في بيوتنا ويرافقنا في كل خطوة نخطوها في حياتنا، فما زال الفيلسوف والمعلم والأب والأخ ما زال نبراسا لم يخب نوره، ينير دربنا وما زلنا نؤمن بكل ما فعل وقال. وكلّما ابتعدنا زمنيا عن عبد الناصر، نكون أقرب اليه بأفكارنا في واقعنا ومعيشتنا، فأبو خالد أصبح خالدا بأقواله وتعاليمه وأفعاله لا تشيخ ولا تموت وهي حيّة أبد الدهر. رغم أنه رحل وفارقنا بالجسد سيبقى جمال، جمال النفس والروح، القلب والضمير، جمال لقمة العيش الشريفة، جمال الحرية وحب الوطن، جمال الوحدة والقومية العربية.

* كاتب فلسطيني يقيم في مدينة شفاعمرو/ الجليل. - zeyad1004@gmail.com