2022-05-20

قصة الحرب الصهيونية المستديمة منذ قرن ضد الصحافة الحرة في فلسطين والعالم

بقلم: د. نهى خلف

جاء في مقال منشور في ١٤ كانون الأول من عام ١٩٢٦ (منذ ٩٦ عاما) في جريدة فلسطين الصادرة في يافا مايلي: ((ان أكبر وسائل الدعائية التي ملك اليهود ناصيتها في العالم، الصحافة والمسرح والسينما، ولذلك قل ان ترى في أوروبا او في أمريكا شركة صحافة أو تمثيلية أو سينماتوغرافية، دون أن يكون لليهود  الحظ الأوفر في اسهمها،
وقد نقلت لنا الأنباء مؤخرا ان ‘اللورد ريدينغ’، حاكم الهند السابق وهو يهودي، استولى على جريدة ‘الدايلي كرونيكل’ وعلى الصحف الأخرى التابعة لها، وريدينغ هذا هو الذي انتخب أيضا مؤخرا رئيسا لمجلس إدارة شركة فلسطين الكهربائية التي نال روتنبرغ امتيازها".
وقد كانت جريدة ’التايم‘ على عهد صاحبها المرحوم ‘اللورد نورثكليف’، من أكبر أنصار القضية الفلسطينية الوطنية، فما ان مات حتى انتقلت هذه الجريدة إلى أيدي أصحابها الحاليين وانقلبت سياستها رأسا على عقب.

ومعلوم ان الصحف الانكليزية الكبرى التي كانت تناصر عرب فلسطين. جريدة ‘المورنينغ بوست’ وجريدة ‘الديلي ميل’ وجريدة ‘الديلي إكسبرس’، غير ان هذه الصحف اصبحت في المدة الأخيرة  تهمل ذكر فلسطين إلا اذا رأت ان مصلحة بلادها تتعارض مع مصلحتها كما جرى حينما احتجت هذه الصحف مؤخرا على القرض الفلسطيني وعلى ما ينفق من الأموال على قوة الدفاع في فلسطين وشرق الأردن وذلك للتخفيف عن عاتق المكلف  البريطاني فقط.

ويرجع السبب الأكبر في سكوت هذه الصحف، إلى ما رأته من تفرق كلمة أهل فلسطين وتخاذلهم اولا، وثانيا إلى تأُثير النفوذ اليهودي عليها، فقد اتصل بنا من مصدر موثوق ان اليهود قد هددوا جريدة "المورنينغ بوست" اذا هي لم تقلع عن مناصرة عرب فلسطين بمقاطعتهم وعدم نشر إعلاناتهم فيها فسكتت  مرغمة.

وقد بلغ من أمر الدعاية اليهودية  الصهيونية ان أنشأت لها صحفا باللغة العربية كجريدة  ‘العالم الاسرائيلي' في بيروت وجريدة 'اسرائيل' في مصر، وبلغ من أمر اهتمامها بالشؤون العربية إن المراسل الوحيد الأوروبي الذي قابل الملك حسين في عمان، ثم الملك فيصل في بغداد، ثم سلطان باشا الأطرش في جبل الدروز، ثم زعماء دمشق في الشام، ثم ابن سعود مؤخرا في جدة، هو يهودي يدعى ‘فون وانزل’ وان اكثر ما تنقله صحفنا العربية عن ذلك هو من قلمه."

و أضافت الجريدة "ولا تخلو بلد اليوم في العالم من جوقات يهودية تمثل على المسارح روايات تتخللها كل ما يريد اليهود بثه في اذهان الناس، وقل ان تجد دارا للسينما لم يعرض على أنظار المتخرجين ‘فبلم فلسطين' لإظهار ما قام الصهيونية من أعمال البناء في تل أبيب والزراعة في المستعمرات والصناعة في مختلف الأنحاء..
وقد وصل النفوذ اليهودي إلى تأليف كتلة برلمانية في مجلس النواب البريطاني مؤلفة من خمسة وستين عضوا لتنفيذ وعد بلفور وحمل الحكومة على تنفيذه بحذافيره. وها نحن نرى بين مدة واخرى احد النواب يأتي الى فلسطين ثم يرجع منها وملء حقيبته مدح وثناء على أعمال الصهيونيين فيها.

ولا يزال الدكتور وايزمان يوالي سفراته الى الولايات المتحدة ولا سيما إلى نيويورك وفيها ١،٧٥٠،٠٠٠ يهودي لحملهم على مساعدة الوطن القومي ماليا والاشتراك في المشاريع العمرانية والدخول في الوكالة اليهودية.

كل هذه المساعي تجري اليوم حتى يخيل إليك ان جميع العوامل  تعمل  معا في سبيل الصهيونية وأهل فلسطين لاهون نائمون، لا يسمع لهم صوت غير ما تنشره صحفنا  ما  لايتعدى صداء أذاننا.

كل هذا يعمله اليهود اليوم في العالم لانجاح القضيةالصهيونية بعد ان كادت ان تفشل وأهل  فلسطين معتمدين على القضاء والقدر)).

وكان الصحفي اليافاوي عيسى العيسى الذي أسس جريدة "فلسطين" في يافا في عام 1911 قد أشار في مذكراته ان الصهاينة كانوا يحاربون جريدة "فلسطين" حتى قبل الحرب العالمية الأولى ومن ضمن الأحداث التي يذكرها في مذكراته: "وكان أن جاء مرة زائراً إلى فلسطين "المستر مورغانتو" سفير أميركا فكانت شكوى اليهود من جريدة فلسطين عامّة وكلّهم يطلب بلسانٍ واحدٍ تعطيلها.

ولم يكن "المستر مورغانتو" يعود إلى الأستانة حتّى استصدر أمراً من الصّدر الأعظم "كامل باشا" إلى مُتصرّف القدس بتعطيل جريدة فلسطين نهائياً. فاستدعاني المُتصرّف (ولا أذكر اسمه الآن ولعلّه ماجد بك) وأطلعني على صورة البرقيّة فاحتججت وقلت: كيف يجوز للصّدر الأعظم أو لغيره في عهد الدّستور أن يأمر بتعطيل جريدة عثمانية من غير مُحاكمة، إلّا أن احتجاجي كان عبثاً فاحتجّجت إلى الأستانة تلغرافيّاً فلم يُجدِ ذلك نفعاً وأخيراً قرّرت الذّهاب إلى مصر والعمل هُناك لعلَ في ذلك ما يُفيد"، ولكن ذكرعيسى العيسى  فيما بعد ما حدث في مصر قائلا: "ثم أخذت أنشر بعض المقالات في الصحف العربية ولا سيما رداً على ما كان ينشره "المقطم" من الرسائل التي تردُهُ من الأستانة بقلم "صهيوني كبير" لم أتمكن من معرفته.

وبعد أن نشر لي "المقطم" بعض الردود، وقد جعلتها سلسلة رداً على كل رسالة لذلك ‘الصهيوني الكبير’، ولكن رئيس تحريرالمقطم "خليل ثابت" الذي كان أحد أساتذتي في الكلية الأميركية ببيروت، قام بقفل الباب النشر امامي وعبثاً حاولت أن أثنيه عن عزمه. فذهبت إلى "الأهرام" فاعتذرت الجريدة عن النشر ثم أخذت  أزور كل جريدة أخرى لتفتح لنا باباً للنشر ومن تلك الجرائد "اللواء والمؤيد " فكان أصحابها أو رؤساء تحريرها يعتذرون بقولهم: أن المسألة الصهيونية لا تهم مصر ولا المصريين وأنهم يرجون بكل ماله علاقة بمصر.

ثم بعد تمكن الصحفي من العودة الى يافا لينشر جريدة "فلسطين" مرة اخرى قال عيسى العيسى:  "ضاق اليهود ذرعاً بجريدة فلسطين فأنشأوا جريدة في يافا دعوها "صوت العثمانية" واستلم رئاسة تحريرها الدكتور ‘شمعون مويال’ زوج الكاتبة اليهودية المعروفة ’إستير أزهري‘، فأخذ هذا يحمل على "فلسطين" حملات شنيعة تتخلّلها لذعات قارصة. فأخذت جريدة "فلسطين" تكيل له الكيل كيلين وتفضح نواياه ونوايا الجمعية الصهيونية الّتي تُؤيّده وتسند ذلك إلى براهين وأدلّة دامغة كنت استقيتها من جميع الكتب والمصادر الّتي تبحث عن مطامع الصُّهيونيين في فلسطين والوسائل الّتي يستخدموها لذلك".

وهكذا يتبين لنا عبر هذه المعلومات والمقالات إن  حرب الصهاينة  على الصحافة الفلسطينية قصة طويلة بدأت منذ اكثر من قرن، وبالتالي قبل  انشاء الدولة الصهيونية وذلك بسبب الخطر الذي كانت  تسببه لهم عبر فضح حقيقة مشاريعهم وتحقيق مطامعهم.
 

* كاتبة وباحثة فلسطينية في الشؤون الاستراتيجية والدولية- بيروت. - khalaf.noha@gmail.com