26 March 2020   Coronavirus, the kingmaker - By: Ghassan Khatib

25 March 2020   Our leaders are terrified. Not of the virus – of us - By: Jonathan Cook





5 March 2020   Trump’s Disastrous Domestic Policy - By: Alon Ben-Meir


26 February 2020   "...I Am Proud to be a Socialist" - By: Alon Ben-Meir


20 February 2020   The Moral Devastation of the Continued Occupation (Part 2) - By: Alon Ben-Meir














5 أيلول 2015   "من الأزل".. آخر كتب الراحل جونتر جراس - بقلم: المركز الألماني للإعلام (ألمانيا إنفو/ almania info)

9 اّذار 2020

إحذروا الفوضى واللعب مع كوماندوز "المُستَعرِبين"..!

بقلم: راضي د. شحادة
طباعة     إرسال في البريد الإلكتروني

فوضى، مُستَعْرِبون، ومخابرات:
مسلسل "فوضى" هو مسلسل إسرائيلي يشارك فيه ممثلون فلسطينيون وعرب، تمّ بثّه على مدار ثلاثة مواسم على قناة "يِسYES" الإسرائيلية، وعبر شركة "نتفلكسNetflex" الأمريكية. يمكن تعريف هذا المسلسل بأنّه وبامتياز، مسلسل مخابراتي أمني بوليسي عسكري "آكشنيّ" مطارداتيّ "رامْبَويّ"، واستعلائي احتلالي من الدرجة الأولى؛ يعتمد أبطاله اليهود على عنصر الـمُباغتَة بواسطة التّخفِّي على شكل شخصيات عربية أُطلق عليهم اسم "مُسْتَعْرِبُونْ". أخطر ما فيه أنّ القائمين عليه هم جزء ممّن يمثّلون الاحتلال بشكل مُمَوّه، ويبرّرون تصرفاتهم وكأنما الصراع الدائر بين الفلسطينيين والإسرائيليين هو بين طرفين إنسانيين متساويين، مع أنّ أحدهما هو المحتل والآخر هو الواقع عليه الاحتلال.

هذا أخطر مسلسل يعمل على أسلوب "الانتلجنس"(مخابرات Intelligece=)، وهي المخابرات الذكية التي تلعب على الوتر الإنساني، وتوهمك أنّها تواجه عدوًّا قويًّا لكي تبّرر أنّها قادرة عليه وأقوى منه وأنّه يستحقّ القضاء عليه بكل الوسائل، وتنتهي اللعبة معه بالانتصار عليه، كما هو الحال في الأفلام "الهولووديّة" عن فيتنام، وأفلام "رامبو" الأمريكي القوي الذي لا يُقهر، والذي يَدّعي أنّه يسعى لتحرير العالم من الإرهاب واللا-إنسانية.

هذا المسلسل هو من أخطر ما وصلت اليه اللعبة الـمِيدْيَويَّة التي يحاول الإسرائيليون إيصالها لملايين الـمُتَلقِّين في جميع أنحاء العالم عبر المخابرات العسكرية التي تعتمد على أسلوب فنّ التشويق والإبداع والإثارة والمطاردات والجنس والقتل، بهدف تمرير فكرة أنّ صانعيه هم جزء مساهم وقويّ في صُنع السيادة المعلوماتية والعسكرية والمخابراتية. هنالك عفوية وسلاسة في الشكل والأداء ما يجعله مسلسلًا مُغريا للمشاهدة. ولكنه في الـمُحَصِّلَة مسلسل مدهون بالعسل ومحشو بالسّم.

لا بدّ من التوضيح والتأكيد أنّه مسلسل سياسي من الدرجة الأولى، يحاول تجيير السياسي لصالح إسرائيل بواسطة اللعب على العامل الإنساني والرومانسي الذي يجعلك تتعاطف مع القَتَلة، وفي الـمُحَصِّلَة يجعلك لا تأبه للقتْلَى من الطرف الآخر، ألا وهو الطرف الفلسطيني والعربي. هنالك لعب على العنصر الإنساني من أجل التعتيم على القضية الرئيسية وتشويهها، بواسطة وحدة مستعربين قَتَلة تخترق المجتمع الفلسطيني بتَنكُّرِهم على شكل عرب (مستعربون) يتقنون اللغة العربية وكل التصرفات بكامل الدقة والحِرَفيَّة والاجتهاد.

هو ليس مجرد مسلسل فنّي قَصصي تَسلوي مُشوّق جدا، وكأنما لا علاقة له بمصلحة اي طرف من الطرفين المتحاربين او الأطراف المتحاربة، بل إنّ كل هذه الأدوات التعبيريّة والتقنيّة فيه استُخدمت بِحِرَفيّة وبذكاء من أجل خدمة المضمون والمغزى الذي يَصبُّ في صالح إسرائيل. إنه مسلسل مصنوع بحِرَفيَّة وتقنية عالية، وأخطر ما فيه أنّ اللعب على الوتر الإنساني مضمونيًّا، والإتقان التّقني عالي المستوى مُشامعاتيًّا (مشاهدة وسماع)، والحِرَفيّة العالية في الأداء، كل ذلك، يزوّغ نظر المشاهد عن خطورة طرحه السياسيّ المتحيّز إسرائيليًّا والمدسوس سُمًّا إعلاميًّا.

وقبل أن نتعمّق في تحليل الـ"فوضى" لا بدّ من بعض المعلومات التي تُسهِّل معرفة عَمَّا يدور حوله هذا البحث، وحول ما هي نقطة الانطلاق التي استند وتأسّس عليها هذا المسلسل. اعتمد مُنتجوه ومؤلفوه على أرشيف وملفّات المخابرات المتعلّقة بــ"الـمُستَعربين" والجيش والأجهزة الأمنية. إنّهم يتبنّون وجهة نظر المؤسسة الإسرائيلية متمثلة بجهاز مخابراتها وجيشها.

إِلسَع بِسُرعة وانسحب:
فكرة تَخَفِّي "الـمُستعربين" على شكل عرب كانت تتمّ بعد تدريب جَاد في مدارس لتعليم المسرح، ومن خلال العيش مع عائلات عربية للتعرف على طريقة تصرّفهم وطريقة مأكلهم ومشربهم وملبسهم، وتعلُّم لهجتهم العربية بدقّة بالغة. بعض أبطال المسلسل كانوا مع المستعربين وعايشوا التجربة بشكل فعليّ، وبعدها طبّقُوا تجربتَهم بِدقَّة وبشكل فنّي أخّاذ من خلال أدوارهم في الــ"فوضى".

مخترع هذه الفكرة في الأصل هو "إيهود باراك"(وهو رئيس وزراء إسرائيل الأسبق)، الذي أَطلق على هذه الوِحدة اسم "دُوڤـْدُوڤَـانْ" اي "حَبّة الكَرَز الحَمراء"، التي توضع فوق الكعكة لكي تزيّنها وتتربّع على عرشها، مستوحيًا الفكرة من جملة في التوراة تحولت الى شعار مكتوب على دبّوس "כי בתחבולות תעשה לך מלחמה" (عبرية ومعناها: لأنّك عن طريق الأحابيل تستطيع أن تخوض حربك)، وتُعتبر هذه الكتيبة "الكوماندوزيّة" من النُّخبة التي تؤدي مهامَّ خاصة وخطيرة.

هو ذاته "إيهود باراك" الذي تخفّى على شكل امرأة وتسلّل الى لبنان لكي يقوم باغتيال ثلاثة من خيرة القيادات الفلسطينية: كمال عدوان، كمال ناصر، ويوسف النجّار، في عملية أطلق عليها "ربيع الشباب" أو ما اشتهرت باسم "عملية ڤـِرْدَانْ"، حيث كان الموساد والجيش الإسرائيلي يديرانها وينفذانها؛ ويعتمد سِرُّ هذا النوع من العمليات كلِّيًّا على عنصر المفاجأة ودقَّة التخابُر والتنفيذ، وهو المبدأ ذاته الذي تنتهجه وحدات "الـمُستعربين"، بَطَلةُ المسلسل الذي نحن بصدده. ولكي نَعرِف عمّا يدور الحديث حول وحدة الكوماندوز "دوڤـدوڤـان" لا بدّ من اقتباس ما جاء على لسان إيهود باراك قائلًا:
"أريد كتيبة يبدو أعضاؤها كالعرب، ويتكلمون كالعرب، ويقودون درّاجات في القَصَبة في نابلس وكأنّما هم في شارع "دِيزِنْچُوڤْ" في تل ابيب. أناس يستطيعون  العمل بتغطية جزئية لكي يصلوا الى احتكاك أدائي بدون الحاجة لقوات كبيرة وبانكشاف مسبق".

تنتهج هذه الكتيبة الفلسفة التي اتّبعها الملاكم "محمد علي كلاي": "تحوم كالفراشة وتلسع كالنحلة". تدخل، تلسع، وتهرب، وتخرج بأسرع ما يمكن ولا تترك أثرا.

احتلال إنساني يحبّ السلام:
تدور أحداث المسلسل حول وحدة مستعربين يطاردون مقاومين فلسطينيين في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزّة، مع التنويه دائمًا أنّ الإسرائيليين يُنسِّقون ذلك أمنيًّا ومخابراتيًّا مع السلطة الفلسطينية في رام الله، وجميع هذه المطاردات تنتهي بتغلُّبهم على "العدو!" "الإرهابي!" مع إظهار أنه عدو لا يُستهان به لكي تبدو اللعبة وكأنها تدور بين طرفين متساويين، مع اللعب على الناحية الإنسانية من قبل الطَّرفين، ومع التشديد على أنّ الطرف الآخر يحب الموت، او أنّه يحاول تحاشيه قَسرًا بواسطة الرضوخ او التعامل مخابراتيا مع الإسرائيليين. الطرف الإسرائيلي يتصرف بهذا الشكل- وبناء على وجهة نظر المسلسل- بدافع الدفاع عن إنسانيته وكيانه ووجوده أمام عدو يحيط به من كل جانب، ويريد له الموت. لا يوجد أيّ ذِكْر بأنّ الطرف الإسرائيلي هو احتلال وهو لا يُحدِّد حدوده، بل يبدو الأمر لمن يجهل تاريخ المنطقة، وكأنّ المسألة ليست عن طرف قام بسرقة وطن الطرف الآخر وتهجيره واستيطان مكانه، بل هو "إسرائيل" الأمر الواقع، وفلسطين الأمر الممحو.

الأخطر من ذلك فإنّ هذا المسلسل في خلاصته ومغزاه يُظهِر الوجه الإسرائيلي الصهيوني الإنساني البريء والصادق والـمُقنع والمحب للحياة، وأنه يعيش في دولة عصريّة حَضاريّة مُنفتِحة وديمقراطية تسعى لحماية نفسها من الإرهاب العربي والفلسطيني والـمُسلم والداعشيّ. الإسرائيليون يقاتلون الإرهاب من أجل السلام ودفاعًا عن النفس، بينما المقاومون الفلسطينيون والعرب الإرهابيون هم من يدفع الإسرائيليين المحبِّين للسلام والاستقرار لكي يدافعوا عن أنفسهم من أجل الحفاظ على بقائهم.

المسلسل مصنوع بطريقة يجعل الجاهلين بحقيقة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني ينخدعون ويصدّقون الرواية الإسرائيلية على حساب القضية الفلسطينية المظلومة، وأظن أنّ الممثلين الفلسطينيين والعرب  المشاركين في هذا المسلسل انطلت عليهم اللعبة، أو انهم لأسباب مادية او شهرويّة قبلوا المشاركة في هذا المسلسل الخطير.

الجيش الإسرائيلي بكل مكوّناته العسكرية والأمنية و"الاستعرابيّة" والمخابراتية يبدو منطقيًا في الدوافع التي تجعله يتصرَّف بهذا الشكل خلال مجابهته للعدو الفلسطيني والعربي، فهم أقوياء وإرهابيون وخطرون، وأنّه يستلزم الأمر إبراز أقصى ما يمكن من قوة عسكرية وأمنية واستعرابيّة وبوليسية لا تُقهر لمحاربتهم والقضاء عليهم،  وبإظهار أنّ عقلًا عبقريًّا مدبّرا ومنفّذًا لذلك بأعلى درجات الذكاء والدّقة التي حتمًا ستقود في النهاية الى النّصر ودَحْر الإرهاب.

اجتزاء الواقع:
اذا ما خَدعَنا تصوير واقعنا الفلسطيني على هوى الـمُنتِجين والمنفِّذين لهذه الـ"فوضى"، على الشكل والمضمون الذي ارتأوه لأنفسهم، وبما يخدم وجهة نظرهم، وبمشاركةٍ كثيفة من قبل فنّانينا الفلسطينيين والعرب، فإنّما قد نبدو وكأنّنا موافقون بأن يصيغوا تاريخنا على هواهم، متناسين- عن قصد- التاريخ الحقيقي والواقع الحقيقي الـمُعتَّم عليه، فهذه مصيبة كبيرة، وبخاصة أن صياغة الواقع هنا وبأقوى وسيلة عصرية عبر الصورة الـمُغرية والمضمون الـمُشوّق الذي يوصلونه الى جميع أرجاء العالم، حيث أنّهم في الـمُحَصِّلَة، وكأنما يقولون إنّ هذا الإطار هو الإطار الذي نريده لواقعنا وواقعكم؛ وأما ما عدا ذلك فهو ممحو وغير موجود. لقد انطلت اللعبة على بعضنا، وبخاصة على مَن شاركوهم اللعبة من مبدعينا، لا بل شاركوهم ذلك بكامل المهنية والإبداع.

من وجهة نظرهم ككيان صهيوني فإنّ ما يعرضونه هو ما يؤمنون به، وهذه هي مبادؤهم وتوجّهاتهم وسياساتهم، وهم هكذا فعلا، ولا نتوقّع منهم أن يكونوا كَنَسِيِّين أكثر من "البابا" من أجلنا، أو يساريين أكثر من "جيڤارا". إنّهم يتصرّفون ضمن شخصيتهم الحالية اليمينية الاحتلالية والعنصرية والسّارقة للأوطان، والمحترفة في التوسّع والمزيد من الاحتلال.

يخفي المسلسل الواقع الحقيقي للاحتلال وبشاعته خلال أكثر من خمسين سنة في الضفة وغزة والقدس، وسبعين سنة ونيّف منذ الـ1948. لا يوجد تصوير للجدار العنصري الفاصل بالمرة، ولا يوجد اي تصوير لتصرفات المستوطنين ولـِمُستوطَناتهم وبشاعة إرهابهم ضد الفلسطينيين واقتلاع الأشجار وحرق المحاصيل ونسف البيوت وتهجير الناس، وتجويعهم وهم محاصرون، ولا تصوير للمخيمات المحاصرة، ولا لقتل الأطفال وقصف المدنيين من الجو وإبادتهم بالفوسفوري، ولا لمئات الحواجز والجدران التي حوَّلت الضفة وغزة الى چيتوهات محاصِرة وخانِقة وقاتِلة ومبيدة للفلسطينيين، ولا أيّ ذكر لمصادرة الأراضي، ولا شيء عن التنظيمات الأخرى عدا "حماس" و"الجهاد الإسلامي" التي تحارب الاحتلال سلميًا او عسكريًا، ولا لمقاومين سلميين يمكن مؤازرتهم او الحوار معهم من أجل السلام المتبادل؛ بل حتى السلطة الفلسطينية التي وقَّعتْ على عملية سلام معهم أظهروها في المسلسل كسلطة عميلة وفاسدة.

الوعظ عن العامل الإنساني الذي يطالب به المسلسل والذي قد يقود الى السلام بين الطرفين غير محدَّد الشروط والمعالم، يقودك في الـمُحَصِّلَة الى الاستنتاج أنّه عليك أولًا مقابل هذا الإسرائيلي القوي أن تستسلم لمشيئته وشروطه.


اختفاء المضمون خلف الشكل:
مرة أخرى، نحن نستنتج عن هذه الـ"فوضى" استنتاجات سياسية جدا، لأنّه مسلسل سياسيّ من الدرجة الأولى مُغلّف بغطاء إنساني خادع، وليس من المنطق أن نُرجِّح كَفَّتَه الـمِهَنيَّة من الناحية الإبداعية والفنّية الـمُتقَنة والـمُغرية للمشاهدة، وليس لترجيح كفّته من خلال محاولته اللعب على الوتر العاطفي والإنساني الـمُجَيَّر بخبث لكي نقتنع بوجة نظر صانعيه. لذلك فخطورته ليست كامنة في كونه مسلسلًا اجتماعيًا، بل سياسيًا من الدرجة الأولى، ويمسّ قضيتنا الوطنية بشكل خطير بشكل لم يسبق له مثيل.

يقول الممثل "هشام سليمان" في مقابلة معه، وهو ممثل فلسطيني يلعب في المسلسل دورًا بطوليًا في الموسم الأول: "لقد خاطَبوا الناس من القلب وليس من الرأس". ولهذه المقولة وجهان، فهي أن تخاطب الجمهور بواسطة اللعب على الوتر العاطفي الإنساني، أو أنّ المسلسل يبرِّر قوّة اللعب على الوتر الإنساني العاطفي من أجل تمرير رسالة ذكية ومدروسة مخطّطة مسبقا من الرأس وليس من القلب.

كيف تستوي الإنسانية مع القاتل المحتل؟ كيف نستطيع فصل اللعبة الإنسانية الخبيثة عن لعبة الاحتلال والسّياسة القاتلة والمستعمِرة للوطن؟ هنالك محاولة خبيثة لتبرير فلسفة أنّه ما دام الصراع بين الأطراف المتنازِعة تَطغى عليه الناحية الإنسانية، فأنسنةُ الحاكم/القاتل/المستعرب/الممثل هي مسألة مشروعة، وفي الـمُحَصِّلَة فهذا، من حيث ندري او لا ندري، يُوجَّه الى إعطاء المبرِّر لوجوده وحقّه في هكذا تصرّف، متغاضين عن سياساته وتصرّفاته الظالمة والقاتلة. 

خدعة التعاطف مع البطل:    
مع تقدّم الأحداث في المسلسل هنالك خُطّة نفسية ذكيّة وخبيثة، غاسلة لدماغ الـمُتلقّي، تجعلك رويدًا رويدًا تتعاطف مع الأبطال المستعربين وعائلاتهم، وللحظة ما يَدْهمُك شعورٌ بأنّ هنالك حاجة ماسّة لإنقاذ الأبطال المستعربين من عدوّهم الإرهابي، فتقول في قرارة ذاتك، كما هو الحال في الحبكات الدرامية المألوفة: "كم أتمنّى أن يأتي اليهود لكي ينقذوا صاحبَهم الذي أصبحنا نتضامن معه كبطل وكإنسان، وأن يقتلوا الفلسطينيين لكي يبقى البطل على قيد الحياة". نتضامن مع الأبطال المستعربين القتَلة ونتناسى أنّ الطرف الآخر يموت ويُقتل ويُعذّب من قبل محتلّيه والمعتدين عليه، وبالتالي نجد أنفسنا قد انجررنا للتضامن مع الطرف القاتل والمعتدي. 

المهزومون والمحبَطون دائمًا v/s  المنتصرون والمتفوّقون دائمًا:
هذا المسلسل هو محاولة لتقليد الأفلام الأمريكية الهوليوودية، عن البطل الـ"رامبو" الذي لا يُقهر. هو يذكّرنا بأفلام البطولات الأمريكية في فيتنام حيث يجعلونك تتشوّق لنجاة البطل بعد أن يتخلّص من الأعداء، ومع تَقدُّم الأحداث يجعلونك تنسى أنّه موجود بعيدًا عن وطنه في منطقة ليست ضمن حدود كيانه ودولته، وكأنما هو الإنسان الإنساني الخارق الذي يسافر آلاف الكيلومترات ويغامر ويضحّي لكي يخلّص وطنه والعالم من الأشرار. هو يخلّص الرهائن فتتضامن معه وتخاف عليه من الموت او الوقوع في الأسر، بينما هو في الحقيقة محتل ومُعتَدٍ. أنت هكذا تتضامن مع الاحتلال والأعداء.

يقول مخرج المسلسل "رُوتِم شَمِير": "يدّعي البعض أنّ مسلسل "فوضى" يساعد في التقريب بين الأعداء وفيه القليل من أفلام الكاوبوي رعاة البقر".

هنالك عين تُراقب كل صغيرة وكبيرة من الأعلى وكأنها اللهُ الذي لا يُقهر، ولا يحلمنّ أحد بأنّه قادر على التغلب عليها. إنها قُدرة إلهيّة، وفي الـمُحَصِّلَة فإنّ من يتحداها يكون مصيره الموت. نحن أمام ذكاء صهيوني لا يُقهر ولا يستطيع أحد أن يتحدّاه. يجعلك تظن أنّ الأمور كلها تحت السيطرة: قوة، ذكاء، تخطيط، وقضاء على العدو. وكأنما يقولون لك: إحذر ولا تحاول أنْ تُتعِب نفسك وتتحدّانا، فكل شيء تحت سيطرتنا، وإن تَجرَّأْتَ على تَحدِّينا فمصيرك الموت، او الرضوخ لطلباتنا.

وكل ذلك من أجل زرع الأمن والأمان لدى المواطن الإسرائيلي، وفي الوقت ذاته جعْله مُتحَسِّبًا دائمًا ومُتَكتِّلًا لأنّه محاصر بالأعداء الإرهابيين. إحذروهم لأنهم يعرفون كل شيء، ولذلك أنت أيها العدو العربي والفلسطيني مطالب أنْ تقتنع بأنك مراقَب، ويفضَّل أن لا تلعب اللعبة معهم لأنك خاسر بالتأكيد. وفي المقابل فإنّك بتصرُّفك هذا تزيد من الشعور بالإحباط والهزيمة والشعور بالعجز أمام عدوّك الذي لا مناص من مواجهته إلا بالاستسلام.

حتى المناضل "جهاد" أبو بشار (الممثل خليفة ناطور) الذي تحرّر بعد قضاء 20 سنة في السجن الإسرائيلي، وعاد للعمل مع المقاومة من أجل إنقاذ ابنه "بشّار"، وأحسّ بأنّه سيُلْقَى القبض عليه مرة أخرى، يؤكد على جوّ الإحباط من العالم العربي ونُظُمه القمعية، ويقول لابنه بأنّه يفضّل السجن الإسرائيلي على السجون العربية في حال تمّ اعتقاله مرة أخرى: "احنا مطلوبين. مصر والاردن عاملين اتفاقيات مع إسرائيل. تنحبس هناك؟ لا أنحبس في إسرائيل أحسن". وفي مقولته المزيد من التأكيد على الإحباط والشعور بالهزيمة الذي يرافقنا في هذه المرحلة من تاريخنا.

يأتي كل ذلك في فترة يبدو فيها مجتمعنا الفلسطيني مُشَتَّتًا ومُنقسمًا على ذاته مع شعورٍ بالعجز لأنّه مخترق أمنيًا وسياسيًا ووطنيًا، مقابل مجتمع إسرائيلي قوي ومتماسك وواثق من ذاته.

يقولون لك: الفرد عندنا مُهمّ، والدولة بكل أجهزتها ومؤسساتها تعمل لحمايته وتخليصه، والكل يعمل بكامل الدِّقَّة والإخلاص والانتماء والتَّفاني من أجل إنجاح المهمّة الملقاة على عاتق "كوماندوز" الـمُستَعرِبين، بينما الطرف الآخر العربي الفلسطيني دائما يُقتل أو يُؤسَر أو يَسقط عميلًا، وهو دائما تحت المراقبة. في المسلسل نيّة لزرع الطمأنينة لدى اليهود والتفوق على الآخر، وبالتأكيد كأنما هم على حق في جوّ متوتر وخطير يهدِّد كيانهم؛ لذلك فطريقة تصرفهم تؤكد للمواطن اليهودي الإسرائيلي بأن يَطمئِنّ، فهو تحت حماية أيدٍ أمينة لا تُقهَر، وتُوصِل للمشاهد في العالم بأنّهم إنسانيون وعلى حق والآخر على باطل.

حسب المسلسل، جميع المناطق الفلسطينية مراقبة من قبل المخابرات. الكاميرات موجودة في كل مكان والأقمار الاصطناعية والهواتف النقّالة تحت سلطتهم وسيطرتهم ومراقبتهم. جميع المكالمات الفلسطينية مراقَبة، ويستطيعون معرفة كل شيء قبل حدوثه. دائما يوجد خطأ مخابراتي عند الفلسطينيين، ودائما يوجد عملاء متعاونون يُسهِّلون على الإسرائيليين المهمّة، وهم على إلمام بتفاصيل وأسرار "المخرّبين!؟". في الخلاصة يزرعون في ذهن المشاهد أنّهم هم المتنبّهون والأقوياء والمنتصرون. 

الرَّامبو الإسرائيلي الذي لا يُقهر:
المستعربون أبطال خارقون ويستطيعون بجرأة رامْبَويّة خارقة اختراق قطاع غزة لكي يخلِّصُوا أَسيرّيْن إسرائيليَّين من عقر دار المقاومة. يقول العميل أبو إياد (الممثل صبحي الحصري): "جئتم فقط أربعة جنود لتخليص الأسيرين؟" مؤكدا لهم على دورهم في البطولة والفداء من أجل تخليص الأسيرين اليهوديين. ومن أجل إتمام المهمّة، فلا مانع لديهم أن يقطعوا التيّار الكهربائي عن مليون ونصف فلسطيني في قطاع غزة.

وفي المقابل، فالطرف الآخر مزروع بالعملاء والمتعاونين، ودائمًا يجدون من الفلسطينيين من يعينهم على الوصول الى الهدف، بينما لا يوجد في الطرف الفلسطيني أي عميل يهودي، أي أنّهم لديهم القدرة على تشغيل الفلسطيني كعميل لديهم، بينما لا يستطيع الفلسطيني والعربي تجنيد أي عميل يهودي لصالحه، وكأنّما لكي يؤكدوا بأنّ الفلسطيني مختَرق، بينما الإسرائيلي من المستحيل اختراقه.

أمّا جهاز الأمن الوقائي الفلسطيني فهو حسب المسلسل ذراع أَمنٍ متعاونٍ مع المخابرات الاسرائيلية، ومخترَق، ومشكوكٌ فيه، يقدِّم لهم المعلومات، يعتقل المناضلين، وابن مدير الأمن الوقائي حاول الانضمام الى داعش وتنفيذ مهمّات، لكن بعد تهديده وكشْفِه، سلّمهم جميع المعلومات التي يعرفها. ناهيك عن التشديد دائمًا بأنّ السلطة الفلسطينية راضخة للسلطة الإسرائيلية، وفيها عملاء، وأما سلطة حماس فهم سلطة مخربين إرهابيين يجب القضاء عليهم، وأنهم هم أيضا مغروسون بالعملاء.

وأمّا العالَم الذي يُشاهِد هذه الـ"فوضى"، فسيخرج متضامنًا مع القاتل المحتل ويلوم الضحية الواقعة تحت الاحتلال. الـمُنتِج والمؤلف يستغِلَّان المصيدة الإنسانية والعاطفية في حبكتهما من أجل التعاطف مع الممثل المستعرب القاتل، والاقتناع بشرعية وجوده. إذا كانوا يفعلون كل ذلك عن قناعة بأنّ ذلك لمصلحتهم، فلماذا نلومهم فهُم ليسوا نحن. المهم في النهاية مَن نحن وماذا نحن بفاعلين؟


خطورة "نِتْفْلِكْسْ" في الـ "فوضى" الخلّاقة:
نتفلكس هي إحدى نماذج الشركات الـمُسيطرة على الإعلام والميديا بقوة رأس المال الـمُتغوّل.

لو اقتصرت مشاهدة مسلسل "فوضى" على مشاهدي فضائية "يِس" الإسرائيلية الذين لا يتعدّون بعض الآلاف من المشاهدين لهان الأمر، ولكن الخطورة في الأمر أن كلّ ما قيّمناه من المخاطر التي يضخّها هذا المسلسل تتعمَّم على جميع أنحاء العالم لملايين البشر الذين سيبتلعون الطُّعم ويصدّقون الرواية المشوِّقة للتاريخ المزيِّف لقضايانا الحقَّانية.

أحد "السّامعين" عن المسلسل، وليس المشاهدين له، انطلت عليه اللعبة وقال لي: "سمعت أنّ المسلسل جريء وأنّه ضد دولة إسرائيل".

أيُعقل أن تُنتِج إسرائيل مُسلسلًا ضخمًا بهذا الحجم في زمن مَدِّها اليميني الأبرتهايدي المتطرِّف، وفي زمَن زُهُوّها وانتشاؤها بالتفوّق، فَتُسوِّقه عبر أوسع وسيلة إعلام ألكترونية وهي الـ"نِتْفْلِكْسْ؟"، ونقول إنّها تُسوّق بضاعة ضد نفسها؟ إنّها في زمن "الإنْتِلِجَنْسْ" تحاول تسجيل المزيد من الانتصارات على حساب قضايانا العربية والفلسطينية. "نتفلكس" توزّع أعمالها التي تنتجها أو تتبناها على 130 دولة في أنحاء العالم والتي تبثّه عبر قنواتها التلفزيونية، ولديها 167 مليون عضوا مشتركا في أكثر من 160 دولة، وهو يُبث في إسرائيل منذ سنة 2015، وفي "نتفلكس" منذ سنة 2016. ويأتي اهتمام "نتفلكس" بالإنتاجات الإعلامية والدرامية الإسرائيلية ليس لدوافع تجاريّة فحسب، بل كجزء من سياسة الــ"هَسْبَرَاه"(عبرية ومعناها الشرح او الترويج من خلال البْروبَچاندا).

أنتجت "نتفلكس" وساهمت في إنتاج مسلسل "عندما يطير الأبطال" الذي يحكي قصة أربعة جنود إسرائيليين شاركوا في الحرب على لبنان سنة 2006، ومسلسل "الجاسوس" عن عميل الموساد الشهير "إيلي كوهين"، وفيلم "الجاسوس الذي وقع على الأرض" عن العميل المصري لإسرائيل، "أشرف مروان"، وهو زوج ابنة الرئيس الراحل "جمال عبد الناصر"، وفيلم "الملاك"، وفيلم "منتجع الغوص في البحر الأحمر"، الذي يتحدث عن رجال الموساد الذين قاموا بإجلاء يهود أثيوبيين من السودان وجَلْبهم الى إسرائيل. الغريب أنّ "نتفلكس" مع كل انتاجات "الهَسْبَرَاهْ" هذه الـمُتَحيِّزة لإسرائيل، فإنّها تتعمّد تجاهُل فلسطين كليًّا، ما يجعلنا نستنتج أنها متواطئة مع إسرائيل ضد الفلسطينيين. 

الهَسْبَراه: 
"هَسْبَراه"، معناها توضيح او شرح، وهو مصطلح ترويجي تحاول إسرائيل من خلاله إضفاء صورة إيجابية عنها   نافية عنها كونها كيانًا احتلاليًا "أبرتهايْدِيًّا"، مؤكدة من خلاله على كونها دولة تسعى للسلام والخير والديمقراطية والحرية.

كثير من المسلسلات والأفلام والمواد الاعلامية والكتب التي صنعها إسرائيليون تصب في حركة الهَسْبرَاهْ من أجل تجيير التاريخ والواقع لصالح إسرائيل والحركة الصهيونية، ولكن مسلسل "فوضى" هو أخطرها، لما فيه من تعتيم على لحقيقة، ولإعطائه الـمِصداقيّة من خلال مشاركة كم كبير من الممثلين الفلسطينيين المعتبَرين مواطنين إسرائيليين لكونهم يعيشون في حدود ال48، ومن القدس المحتلة الـمُعتبرة إسرائيليًّا عاصمة إسرائيل الموحّدة.

مسلسل "فوضى" هذا يصنَّف ضمن مشروع "الهَسْبَراهْ" الإسرائيلي، أي الإعلام الإسرائيلي الدبلوماسي والدعائي، المروِّج لصالح إسرائيل في كل العالم، والأخطر من ذلك أنه أيضا يروّج نفسه للعالم العربي.

تهافُت الممثلين الفلسطينيين والعرب نحو الـ"فوضى":     
وأما الممثلون الفلسطينيون والعرب فيه فقد أَدُّوا أدوارهم بشكل ممتاز وبمهنيّة مقنعة وبمستوى رفيع، لا يقلُّ مهارة وموهبة عن الممثلين اليهود، ولكن..
لماذا نحن نتطرّق الى خطورة مشاركة فنّانينا الفلسطينيين والعرب في هذا المسلسل بالذات، وليس الى أدوارهم التي شاركوا فيها في مسلسلات وأفلام إسرائيلية أخرى؟ الأمر ببساطة لأنّ هذا المسلسل هو أخطرها، وبالذات لأنّه مسلسل سياسي يحوّل المستعربين الى أبطال، وهذا لا ينفي أن الأعمال الأخرى ليست مُسيّسة لصالح إسرائيل ضمن خطّتها الهسبراتيّة.

هنالك تناقض بين الملَكَة الاحترافية للتمثيل والمضمون الكلِّي للعمل. هل يكفي أن يكون الممثِّل مُحترِفًا لكي يشارك بشكل احترافي في اي عمل مهما كانت أهدافه، وبخاصة بما يخصنا نحن الفلسطينيين، حيث أنّ مشكلتنا الوطنية لا زالت غير محلولة وفي مهبّ الريح؟ إنهم يساهمون عن سابق إصرار او عن طمع في الشهرة والارتزاق، او عن جهل، في تمجيد "رامبو" إسرائيل القاتل والمحتل والمتخفّي "استعرابيًّا" ضدّهم وضد شعبهم.

في هذا المسلسل هم يروون روايتهم وهي ليست روايتنا، فهم منتجوها ومخطِّطوها، ونحن لسنا مَن صاغَها، وبالتالي فالممثِّلون الفلسطينون والعرب هنا ينفِّذون ولا يعطون الأوامر، وليسوا مسؤولين عن الـ"آكْشِنْ". ما أخطره من أمرٍ بأن يبدوا من هذا المنطلق كأنّهم مرتزقة.

الإعلام خطير، وهو وسلاح ذو حدّين، والأثَر الذي يتركه المبدعون والفنانون والممثلون، إذا كان لديهم الوعي الكافي عن مدى خطورة مشاركتهم عشوائيًا او عن سابق اصرار، فإنهم سيجدون أنفسهم يخدمون الحدّ الجارح لقضاياهم باستعمالهم الحدّ الأكثر حدّة الذي خطَّطه لهم مَن يقفون ضد قضاياهم المصيرية العادلة والوطنية.

لماذا تهافت فنَّانوننا الفلسطينيون على مسلسل الـ"فوضى" بهذه الكثرة؟ هل عن جهل وطني؟ هل طمعًا في الشهرة؟ هل طمعًا في المال وبحثًا عن الرزق؟ هل عن قناعة بأنّ المسلسل وطني؟ هل لأنّهم اقتنعوا بأنّ المسلسل إنساني وعادل ويعطي كل طرف من الطرفين حقّه بالتساوي إنسانيًا وسياسيًا ووطنيًا؟ أؤكد هنا بأنّ بعض الممثلين المعروفين ادّعوا بأنّهم سئموا من الرفض المستمرّ لأعمال درامية لأسباب سياسية ووطنية، ولذلك فهم يريدون العيش والشُّهرة. أحدهم قال إنّ سبل الحياة ضاقت عليه ماديا لدرجة أنه لم يعد يجد ما يكفي لسدّ أجرة منزله الـمُستأجر.

يقول الممثل خليفة ناطور في مقابة معه: (الرابط أدناه بالعبرية):
"ربما لن أجد عملًا في "جنين" او في "رام الله"، لأنني أمثِّل في مسلسل فوضى..هنالك من يرى في فوضى دعاية لإسرائيل، وأن الطرف الفلسطيني غير معروض كما يجب".

ولكنّ الأمر بالنسبة لنا نحن فلسطينيي ال48 يختلف جذريًا لكون مشكلتنا الوطنية التحررية لم تُحلّ بعد، فَوَصلْنا الى وضْع يجدُ فيه بعضُ الفنانين أنفسهم في مأزقِ كيفيَّة اختيارهم لأدوارهم ما بين انتمائهم الـمُواطِنيّ والوطني، فيختلطُ أمرُهم بين المصلحة الشخصية ومصلحة القضية العامة التي تجمعهم مع شعبهم. وأحيانا يُبرّرون ذلك بالقول إنّه: "لا تناقض بين مصلحتي الشخصية والمصلحة العامة"، وهذا تعميم وغموض.  

يدّعي أحد الفنانين قائلا: متطلبات الحياة الماديّة صعبة، وهذه هي مهنتي التي أُتقِنُها وأستطيع ان أعتاش منها، فإذا رفضتُ قبول الفُرص الـمُتاحة لي، فَمَن الذي سيضمن لي لقمة عيشي؟ ما دمتُ فنانًا لا أستطيع أن أحلّ وأربط في القضايا المصيريّة، فالأحرى بي أن أقوم بممارسة مجال معرفتي بشكل شخصي، فالقضايا المصيرية أتركُها للسياسيين وللوطنيين وللشعب.

وبالتالي، وفي الـمُحَصِّلَة، فالبطولات الشُّهرَويَّة في مثل هكذا مسلسلات وأعمال فنية تصب في صالح بطولات إسرائيل.

لقد شارك في المواسم الثلاث لمسلسل فوضى مجموعةٌ كبيرة من الممثلين الفلسطينيين، من فلسطينيي ال48 ومن القدس المحتلة ومن هضبة الجولان السورية والممثلة "ليتسيا عيدو" التي تقوم بدور الدكتورة "شيرين"، وهي لبنانية الأم وفرنسية الأب وتعيش في فرنسا، ومنهم ممثلون معروفون من خيرة ممثلينا المسرحيين والسينمائيين والتلفزيونيين.

والأخطر من ذلك أن مدينة كفر قاسم، وما أدراك ما هي كفر قاسم، تحولت الى موقع لتصوير اليوم الأول من الموسم الأول للمسلسل، فيستمر التصوير لفترة شهر ونصف، وكأنها موجودة في الضفة الغربية. نعم، رمزيًّا وكأنما تتحول اللعبة التي حدثت فيها المجزرة سنة 1956 لتصبح ساحة لعب لمجازر المستعربين سنة 2015.

هل يستطيع الممثلون الفلسطينيون والعرب المشاركون بامتياز في هذا المسلسل السياسي أن يدافعوا عن مواقفهم السياسية والوطنية التي جعلتهم يشاركون فيه؟

اللعبة مستمرة.. بين الرفض والقبول:
الأخطر من ذلك أنّ بعضهم، من الممثلين المحترفين، كانوا قد شاهدوا الموسم الأول والموسم الثاني من المسلسل، وحذّرهم بعض الأصدقاء من مغبَّة مشاركتهم في الموسم الثالث، ولكنهم أصرّوا أن يشاركوا فيه. ولكي تكتمل الفصول الأربعة، فها هم منتجو العمل يحضّرون للموسم الرابع، فهل سيستمر ممثلونا في تهافتهم؟ اللعبة في جميع المواسم هي ذاتها، يختارون كل مرة بطلًا دراميًّا فلسطينيا، ويشوّقوننا حتى النهاية عن كيفيّة اغتياله، وعن كيفيّة نجاة بطلهم الرّامبو من أجل الاستمرار في لعبته التي أصبحت مُكرَّرة ومُجتَرّة.  

قالها أحدهم بعناد (المصدر أدناه): "أنا أريد أن أعيش وأَنكشِف على الإعلام، فهذه وظيفتي التي أتقنها وهي فرصة لن أفوّتها". عجيب هذا التهافت المتدفّق نحو الفوضى..! إنّه زمن تهافت التهافت.
 
يبدو العبث في هذا المسلسل أن قضيتنا الوطنية العامة بالنسبة لبعض فنَّانينا تتناقض كليا مع المصلحة الشخصية والمعيشيّة الفردية.

يبدو الأمر غاية في العبثية بأنّ ممثلين فلسطينيين وعربًا يساهمون في تلميع صورة المستعرب القاتل الإسرائيلي المحتل من أجل تلميع صورتهم الشهرويَّة والماديّة الارتزاقيّة في عمل مخابراتي خطير يخترع المحتل من خلاله المشكلة، يزيِّف التاريخ من خلال طرحها، ويفصِّل الحلول كما يحلو له، فيصبح في الـمُحَصِّلَة -كما يخطط- جزءًا من الحلّ وليس جزءا من المشكلة. هم يفصّلون وممثلونا يلبسون ويتَمَكْيَجُون وينفّذون. نحن نسوّق بواسطة ممثلينا وجمهورنا مسلسلًا يصب في صالح الموساد والشاباك والمستعربين والصهاينة.

الممثلة "سلوى نقارة" وخلال تصريح لها في التقرير المطوَّل عن مسلسل فوضى للتلفزيون البريطاني (الرابط أدناه):
"إذا أنا أعمل مسلسل عن الاحتلال ولا تُثار فيه قضية أنه أنت لا حق لك بالوجود في هذا المكان أصلا، بعدها تعال لنتحاور، وإلّا فأنا أخدم فكرًا تابعًا لعدوّي..ما مرّ على الشعب الفلسطيني منذ سنة 1948 جريمة لا تُغتفر..إذا انت poddle يعني كلب صغير ويستعملونك ويلعبون بك لعبة التعايش والسلام والمحبة والوئام... انا لبرالية ولا أشمت بمن اختار لنفسه ان يلعب هذه اللعبة، فهو حر".

بينما الممثل "هشام سليمان" يرد على موقفها قائلا:
"سلوى رفضت المشاركة في المسلسل فهي حرة، ولكن لا أنا ولا هي نستطيع أنْ نقول ما هو الصحيح وما هو الخطأ.. القضية الفلسطينية مركَّبة جدا وليست أسود/أبيض.. هنالك متطرفون وبعض الناس من الضفة الغربية انتقدوا المسلسل..يقولون إنّ الاسرائيليين يجمّلون الصورة الاسرائيلية".

ويعبّر الممثل شادي مرعي (قام بدور وليد) عن رأيه قائلا:
"إذا انت مش كاتب المسلسل يكون تأثيرك أقل.. صحيح أنا ألعب في جهة الشرير ولكن نحاول أن نأتي بالشيء الانساني.. الخلافات الفكرية نضعها جانبا خلال العمل والتصوير".

والأمر الأكثر غرابة أن يقوم ممثِّل أمريكي ليس عربيًا وليس فلسطينيًا برفض المشاركة في مسلسل "فوضى". الممثّل الأميركي "ديڤـيد كلينون" رفض المشاركة في مسلسل فوضى، مبرِّرًا ذلك بأن المسلسل يلمّع صورة إسرائيل، واعتبرَ أنّ أسلوب تصوير الفلسطينيين في المسلسل مُهين، وأنّ: "شركات الإنتاج الإسرائيلية تستفيد بشكل كبير من تحالفاتها مع شركائها الأميركيين ونِتْفلِكس"؛ موضّحًا أنّ العلاقات التجارية في مجالات الإنتاجات الترفيهية تلعب دورًا قوياً وخطيرًا في اللعبة السياسية.

الملفت للانتباه في أمر هذا الممثل الجريء بأنّه رفض المشاركة في هذا المسلسل، رغم أنّه كان في أمس الحاجة للمال، فهو قرَّر رفْضَ المشاركة في ظرف صعب حيث أنّه كان عاطلًا عن العمل لفترة سنة ونصف. إنّه فنّان فضّل أن يتنازل عن مصلحته الشخصية لصالح الشعب الفلسطيني، بينما هو ليس فلسطينيًا.

الأبطال اليهود في المسلسل يصرِّحون عَلنًا أمام الإعلام أنّهم صهاينة ويحبّون إسرائيل ويدافعون عنها بكل الوسائل وبضمنها السلاح والمخابرات والسياسة. نحن نأخذ عليهم بحجتهم، ومن فمهم ندينهم، فهل علينا أيضا أن ندين أنفسنا؟

هل يستطيع الممثِّلون الفلسطينيون أن يُصرّحوا أمام الإعلام العربي بمعاداتهم لهكذا طرْح يعادي قضيّتهم الوطنيّة، ام انّهم يراقبون أنفسهم لأنهم في مسلسل إسرائيلي صهيوني؟ إنّ مشاركة الممثلين الفلسطينيين والعرب في لعبة الاستخبارات "الاستعرابيّة" مع المستعربين، يشير بشكل مُبطّن وكأنّما نحن قد تأَسْرلْنَا وأصبحنا جزءًا من لعبة المؤسسات الإسرائيلية بجيشها ومخابراتها ومستعربيها.

صاحب المال هو الذي يدير اللعبة:
إنّ الفوضى الخلَّاقة في مسلسل "فوضى" مبرمَجة لكي تخدم الـمُخطِّطين لها ولصانعيها بشكل عبثي، حيث انهم يستخدمون إبداعات الممثلين الخلّاقين الفلسطينيين الـمُتضررين من هذه الفوضى في الـمُحَصِّلَة،  لأنهم تابعون لشعبهم الذي تُوجَّه هذه الفوضى ضده وضدهم، وهي شبيهة بمن يحمل رسالة بقطع رأسه بغفلة عنه او بتغافله عنها.

كنت أنتظر من أحد فنانينا القديرين والوطنيين أن يَظهر أمام الإعلام لكي يتحدث عن الافتخار بموقفه ودوره المنطقي في المسلسل، ويدافع عن الفكرة وعمّا أغراه وطنيًّا ومبدئيًا في المشاركة سوى الحجة الإنسانية والمادية والشهروية.

عجيب هذا الصمت الـمُدقع من قبل فنّانينا الفلسطينيين الذين شاركو في المسلسل. لم نشاهدهم في مقابلات عبر وسائل الميديا العربية، إلّا فيما ندر، يبرّرون مواقفهم المبدئية من قبولهم المشاركة في الـ"فوضى". هل هم يخجلون من ذلك؟ هل المسألة هي مجرد طلب الشهرة كما قال لي أحد الممثلين المشاركين في المسلسل، أم لضيق سُبل العيش ولطلب الرزق كما قال لي ممثل آخر؛ وكلاهما من الممثلين المحترفين الذين لا يشك أحد بمقدراتهم الحِرَفيَة والمهنية في مجال تخصصهم هذا؟

يقول أحد الممثلين الفلسطينيين المعروفين -نسبيًا- والمشارِك في الموسم الثالث:" أنا لا أتدخل في السياسة" وهو غارق في مسلسل سياسي. السياسة التي لا يتدخل فيها هي السياسة الوطنية.

يخجل بعض الممثلين الفلسطينيين من الظهور أمام الاعلام العربي والفلسطيني لشرح قناعاتهم عن سبب مشاركتهم. عندما يتحدث أحدهم عبر وسائل الإعلام مبرِّرًا سبب مشاركته، فإنه يزيد الطين بلّة، فيصوّر الأمور وكأن كل شيء على ما يرام، وأنّ الأمر طبيعي جدا، وأنّ وضعنا الخاص لكوننا مواطنين في دولة إسرائيل ونعاشر اليهود في حياتنا اليومية يتطلب أن نتصرف هكذا، و"على قدّ فراشك مدّ رجليك". يبدو الأمر في استسهال الأمر لهذا الحدّ ما قد يوصلنا الى درجة الإسهال، والى انتهاج فلسفة "مشتهيّة ومستحيّة".

قد يقول قائل- وبخاصة اذا كان من المشاركين وبحاجة للدفاع عن قبوله المشاركة - إنّ كل ما يقال في "فوضى" هو وثائقي وصحيح وحدث فعلًا. السؤال هل ما انتُقي من الواقع هو الواقع الكامل والموضوعي؟ بلا شكّ فإنّ الطرف المـنُتِج للمسلسل كان انتقائيًا بحيث جَنّد خُلاصة المغزى الكلي ممّا يريد التعبير عنه لصالحه هو، ولم يُعرف عن ذلك الطرف الـمُنتج والمبادر الى المشروع بأنّه تقدّمي او مناصر للقضية الفلسطينية. على العكس فهو لا ينفكّ يصرّح بمواقفه الصهيونية أمام الإعلام وضد "الإرهاب" العربي والفلسطيني. ففي الـمُحَصِّلَة والخلاصة، فإننا أمام عمل مُصمَّم ومدروس وغير وثائقي، بل درامي وروائي بشكل يخدم الأهداف الشكلية والمضمونية لـِمُنتجيه، وهم يصرّحون "أشكرى" انهم في الواقع صهاينة وينهلون تجاربهم مما جرّبوه بأنفسهم خلال خدمتهم في القوات الخاصة اي وحدة كوماندوز "المستعربين". هم يريدون من خلال ذلك أن يؤكدوا ولاءهم لوطنهم ولدولتهم ولمبادئهم الصهيونية، وفي الوقت ذاته هم يفعلون ذلك من خلال ادّعائهم بقمّة إنسانيتهم وحبهم للسلام مع الآخر، مع العدو الذي لا يعطيهم أيّة فرصة للعيش بسلام لأنه إرهابي ولا يؤْتمَن له جانب.

ما قد ينطلي على البعض من فنانينا المشاركين في المسلسل، لا بل من جمهورنا المتلقّي، هو أنّ العمل بمجمله يسعى بشكل مبطّن او علني لتأكيد وجهة نظر صهيونية إسرائيلية، لأنّ منتجَهُ إسرائيلي ويصرّح على الملأ وبفخر بأنه صهيوني، وأنّ إسرائيل او إسرائيليين هم المنتِج المموِّل له وليس الفلسطينيين او العرب، وكل ذلك نابع عن دهاء لكون منتجيه اجتزأوا الحقيقة عن واقعنا من وجهة نظر صهيونية، إسرائيلية، وبالطبع من أجل مصالحهم وليس لمصالحنا، وكما يقول المثل العبري:" صاحب المائة هو صاحب الرأي"، اي أنّ مُطعم الفم هو مَن يتحكّم في الـمَطعوم.

كل ذلك من أجل تبييض الصفحة الإسرائيلية أمام العالم، وإثبات فوقية وتفوّق إسرائيل على غيرها من عرب وفلسطينيين. ونتساءل، هل تكمن الحقيقة وصياغة التاريخ من خلال اجتزاء الواقع والانتقاء منه، وإغفال الحقيقة وصياغة التاريخ من وجهة نظر المعتدي والقويّ بما يؤكد تطلعاته وأهدافه؟ هل يبشر المسلسل ويعظ بالديمقراطية والتحرر؟ هل هو يدعو الى السلام بين الأطراف المتحاربة؟ وهل الممثلون اليهود فيه، بما يحملون من مباديء كممثلين ومنتجين ويتباهون بصهيونيتهم، يصرّحون عَلنًا بتقدُّميتِهم ونصرتهم للقضية الفلسطينية أو أنّهم ينتمون الى حركة تقدمية تعترف بأن دولتهم هي دولة احتلال؟
 
بعيدا عن المواقف السياسية وقريبا من الكعكة:
منتجو المسلسل يدّعون أنّهم حاولوا كثيرا إعطاء كل مشارك من الطرفين المتحاربين فرصة أن يقول ويقدم أقصى ما لديه من قَولِ رأيِه والتعبير عن الذات وأن يتصرّف "بكامل الحرية!"، لكي تكون النتيجة تعبيرا "صادقًا!؟" عن الواقع بدون التدخّل في رأيه السياسي والوطني. وفي هذا الادّعاء فخٌّ منصوب للطرف الفلسطيني والعربي لأنّهما يلعبان ضمن واقع مجتزأ يُسلِّط على البطولات "الرامبويّة" الخارقة للمستوطنين الإسرائيلية ومخابراتها وجيشها.

لم تعد المشكلة في الأمور التقنية وحِرَفيَّة الصَّنعة الفنية من تمثيل وإخراج وتصوير، بل المشكلة في الـمُحَصِّلَة المضمونيّة اذا كانت تخدمنا ام تخدم العدو، وهنا تكمن خطورة الفن الـمُتقَن والحِرَفيّ الذي يُغري خلال الـمُشامَعَة(المشاهدة والسماع- مصطلح من اختراعي. ر.ش)، وفي الوقت ذاته هو مجيَّر مضمونيًّا ضد الشعب الذي ينتمي اليه هؤلاء الفنانون المشاركون مع من يوظّفهم لخدمة مآربه الخاصة والعامة.

الادّعاء أنني ممثل وهذه مهنتي وأريد أن أرتزق وأشتهر، شبيهة بشراء الذمم والمرتزقة. لا بل تشكَّلت عند بعض الممثلين هوية جديدة تنفي هويتها الوطنية، لا بل لا يهمهم أن يكونوا فلسطينيين او عربًا، بل يدّعون بكل ثقة قائلين:" أنا إنسان وهذه مهنتي ومن يتزوّج أمي فهو عمّي، ومن يقترح عليّ شيئًا ضمن نطاق مهنتي كممثل سأقبله، فهذا ما أجيده وهذا ما تعلّمته وهذا ما أحترفته ولا يعنيني أي شيء آخر خارج هذا النطاق. إذا كان ما يقترحونه عليّ عملا إبداعيا وإنسانيًا فلمَ لا أقبله؟"

يقول الممثل "علاء دقّة"، الذي يقوم بدور "بشّار" في مقابلة معه (المقابلة في الرابط أدناه وبالعبرية):
"على الفنانين ألّا يتكلموا عن آرائهم. دوري كفنان هو أن أحكي قصة. لا أريد أن أحمل "أجندة معيّنة...عندما اقترحوا عليّ أن أمثل في فوضى وجدت في ذلك فرصة لا تُعَوّض. من أنا لكي أقول لا؟ هذا تحدٍّ كان عليّ قبوله بدون اي تساؤل او ارتباك".

فعلا نحن نريد أن نعيش ونهتم برزقتنا وبِقُوتِ عيالنا، وبمتطلباتنا الحياتية الخاصة؛ ولكننا نعيش في ظرف شاذ عمَّن حولنا لأنّ قضايانا الوطنية معلَّقة، وما من أحد يستطيع ان يتنبأ متى ستُحَلّ، ولكن الـمُحيِّر في الأمر أنّ متطلباتنا الخاصة تبدو وكأنها جعلت التوازن فيما بينها وبين متطلباتنا الوطنية هُلامية، ومُمَغْمَغَة أحيانًا أخرى كثيرة؛ أحيانًا عن وعي، وأحيانا أخرى عن تشوّه الوعي خلال فترة سبعين سنة ونيّف من العيش في دولة إسرائيل منذ أن قامت على أنقاضنا.  

من وجهة النظر الصهيونية:
التستر خلف الدوافع الإنسانية والنزعة الى السلام بين عدوين، بدون الاعتراف بأن أحدهما لا يعترف بأنّه محتلّ يحتلّ بشكل استيطاني دائم، ولا يعتذر عن جرائمه ولا يعيد الى صاحب الحق حقه، والطرف الثاني وهو صاحب القضية المظلومة يلعب مع المحتل لعبة قاتلة، متناسيًا أنّ القضية عامة وليست فردية او شخصية، متذرعًا بالإنسانية والتسامح وحب السلام، وهي ادعاءات عمومية غير محدَّدة المعنى، فالمحتل يريد السلام بمعنى الاستسلام بدون التنازل عن اي شيء. انها معادلة مساواة الظالم بالمظلوم.

يقول "لِيؤُورْ رَازْ" بطل المسلسل (وهو في الأصل يهودي عربي، والده جزائري ووالدته عراقية. اسمه في المسلسل "دُورُونْ") في مقابلة معه على الـ"فوكْسْ نْيُوزْ" إنّه خدم أيام شبابه في القوات الخاصة في جيش إسرائيل (المستعربون السِّرِّيون). بدأ مع زميله الكاتب "آڤِي يِسْخَارُوڤ" كتابة المسلسل عن تجاربهما الحياتية في "وحدة القوات الخاصة". يدّعي "ليؤور" أنّ المسلسل محايد، مع أنّه كان عضوًا في إحدى الوحدات السّرية داخل الجيش الإسرائيلي، ويفاخر أمام الإعلام بانتمائه للصهيونية، ولا يوضّح ما هو نوع السلام الذي يريده مع من صادقهم من الفلسطينيين، بينما الأرجح أن أفكاره الصهيونية ستقود الى سلام الاستسلام للطرف الآخر، للطرف القوي ألا وهو إسرائيل، وهذه القوة الـمعبَّر عنها في المسلسل هي الحل الوحيد لتطبيق هذا السلام الاستسلامي.

ويتابع "ليؤور" القول في إحدى مقابلاته الصحفية في التقرير المطول لتلفزيون الــ BBC (الرابط أدناه): "أحلم بالسلام من أجلي ومن أجل أبنائي، ولكنني أنتظر من الطرف الآخر هناك أنْ يقول الأمر ذاته" (اي الطرف الآخر لا يريد السلام). هذا هو التضليل بعينه، فهو يحارب الآخر لأنه إرهابي وخطير، وإذا لم يرضخ للسلام الذي أريده له، اي الاستسلام، فإنني سأحاربه وأقضي عليه.

ويتابع: "السرد في المسلسل هو إسرائيلي، ولو كنت فلسطينيا لكان السرد مختلفا..هو سرد صهيوني وانا إسرائيلي صهيوني ولا أستطيع التهرب من ذلك".

استعمال وانتهاج الموقف الإنساني كحُجَّة من أجل الابتعاد عن المواقف المبدئية والوطنية، يصبح أمرًا مخَوَّلا لبعض مبدعينا –كما يعتقد بعضهم- بأن يشاركوا في إنتاجات إبداعية يقترحها عليهم الاحتلال، او من قبل القائمين على هذه المشاريع من قبل دولة الاحتلال ومؤسساتها، مُدّعين أنّهم في الأمور الإنسانية لا مانع من المشاركة مع أي إنسان مهما كانت آيديولوجياته العنصرية مناقضة للواقع الوطني والسياسي لشعبك.   

بين "عرب إسرائيل!؟"، و"عرب الضفة الغربية!؟":
كل هذه الطاقات الـمُحترِفة والجميلة من فنانينا الفلسطينيين والعرب تصب في النهاية في جيب المنتج المخرج المؤلف.. والسلطة والمخابرات الإسرائيلية.

هل هي صدفة ان يكون هذا الكم الهائل من الممثلين فقط من فلسطينيي ال48 والقدس المحتلة، ولا يوجد بينهم اي ممثل من الضفة الغربية وقطاع غزة؛ بينما الموضوع المطروح من وجهة نظر صهيونية إسرائيلية يتحدث عن أحداث تقع في غالبيتها في الضفة الغربية وغزة، وباعتراف صريح عن أهدافه ومغازيه من قبل أبطاله ومنتجيه وكاتبيه الصهاينة؟ نعم شارك ممثلون من القدس المحتلة في المسلسل، وكأنما ذلك يؤكد أنّهم من القدس الموحّدة، مثلهم مثل سائر المواطنين العرب "الإسرائيليين!؟".

مسلسل "فوضى" هو مصيدة للفنانين الفلسطينيين وبعض المقدسيين، شبيه بخدعة المستعربين وتخفِّيهم لكي يصطادوا فرائسهم من الفلسطينيين. هكذا يساعد المفتَرس مفترِسَهُ على افتراسه. هي عملية شبيهة بالارتزاق والمرتزقة. أطعمتَ فمي فخَجِلتْ عَيني.

الأمر في الـمُحَصِّلَة يبدو وعظاً بقوة إسرائيل، وبأننا عاجزون وفاشلون، وأنها هي "الرامبو" القاتل المحبوب الذي لا يُقهر أمام المقتول. نحن المكروهون وهم المحاربون لإرهابنا. النتيجة في الـمُحَصِّلَة زرع المزيد من الإحباط والشعور بالعجز والضعف والذلّ واللامبالاة، وليس زرع الوعي السياسي والوطني في قلوب الـمُتَلقّين لهكذا نوع من الإبداع الاعلامي الخطير.

إنّهم في المسلسل، يسلِّمونك سلاحهم لكي تقاتلهم، وفي الـمُحَصِّلَة فإنّك كأنّما تطلق النار على نفسك به ويكونون هم الرابحين، وكل ذلك برضائك وبقناعتك وبرحابة صدرك وبمشاركتك.‎ إنّهم في الـمُحَصِّلَة يسرقون لك وطنك وبعض أبناء شعبك لكي يثبتوا أَنّهم هم الضحية والمسروقون والـمُهدَّدون من قبل "الإرهابّ؟" الفلسطيني والعربي‎. هذا هو ترويض الوعي وتطبيعه وكَيِّهِ.

قولوا كل ما تريدون لكي يصبّ بكل ما نريد:
وأما صاحب المسلسل الـمُتحدِّث باسم دولته إسرائيل فيقول لكم بثقة: "يا عرب، يا ممثلون عرب، قولوا كل ما يجول بخاطركم، ففي النهاية، فإن مشاركتكم معنا فيما نريد أن نضع له مغزى وخاتمة يصب في ما نريده نحن من مغزى ما تقولون بـ"ديمقراطية!؟". قولوا كل ما يحلو لكم ضمن حدود أُلعوبة "ديمقراطيتنا!؟"، ولكن في الـمُحَصِّلَة في الخلاصة، "تاخليسתכליס" فالنتيجة لصالحنا وانتم بذلك تخدموننا مشكورين، وتوهمون أنفسكم بأنكم تخدمون أنفسكم. احمدوا الله أننا نسمح لكم قول كل ما تريدون بكامل الحرية والديمقراطية، وبما هو غير مسموح لكم قوله لدى نظمكم العربية والسياسية المنغلقة والديكتاتورية والرجعية.

نحن نعيش في عصر الفوضى، الإرباك، الارتباك، الانصهار في أتون العصر الرَّخو السائل. في مسلسل الـ"فوضى" الخلّاقة الإسرائيلية، يبدو الأمر وكأننا نتخبط في فوضى صنعها لنا الآخر العدو، بينما نحن نظن أنّه من الصحي أن نكون جزءًا منها ومنه بدلًا من مقاطعتهما، او على الأقل عدم المشاركة فيها. أصبح البعض ينزعون الى فلسفة جلد الذات لقناعتهم بأننا ضعفاء، وأنّ الرضوخ للقوي أسلم وأربح وأفضل. يصبح الـمُنتَج الذي يقوم بإنتاجه المنتِج الإسرائيلي هو ملاذنا في هذه المرحلة، على الرغم من أنه يستهلكنا، فنصبح مستهلكين (بفتح اللام وكسرها) بواسطته، وأنّنا لا نتوقع في المدى القريب او البعيد فُرَصًا أفضل عربيًا او عالميًا.

البطل الإسرائيلي الـ"رامبو" يقول لك بعنجهية: "انا القوي ولا تحاول أنْ تتحدّاني، فأنت ترى بأم عينيك أنّني سأصفّيك وأقتلك، مهما حاولت إيذائي". وأشهد على ذلك بما قاله لي أحد المتشبعين بالفكر الصهيوني عندما سألته "لماذا لا تتنازلون عن الأراضي التي احتليتموها؟" فقال: "نحن أخذناها بالقوة، ونحن أقوياء، فإذا أردتم يا عرب استعادتها، فعليكم أن تثبتوا أولا أنكم أقوى منا". هل رامبو "فوضى" يريد أن يقنعنا بعجزنا وضعفنا، وإقناعنا بأن نقبل الواقع الذي فرضه علينا، وأننا عاجزون عن استرداد ما سلبه منا، وبالتالي نعترف بهزيمتنا ونرضخ له كما يشاء، فيجعلنا جزءًا من قطيعه الراضخ لمشيئة سِكِّينه؟

أسلمة الصراع وتهويدِه وصَهْيَنَتِه إنْجيليكانيًّا:
أسلمة الصراع في "فوضى" من خلال اختيار المقاومين المسلحين "الإرهابيين!" "المخربين!" الداعشيين!"، "الحمساويين!" الجهاديين الإسلاميين!" -كما جاء في المسلسل- يبرر لليهود المطالبة بدينيّة الدولة اليهودية، وأنها فقط ملك لليهود، ويبرر للصهاينة الإنجيليكانيين المسيحيين في الولايات المتحدة الأمريكية التفاخر بمسيحيتهم من منطلق أن اليهود والمسيحيين جاؤوا الى هذا التاريخ قبل المسلمين.

أسلمة القضية الفلسطينية استُغلت بذكاء من قبل إسرائيل وأمريكا فـ"حَمْسَنَتْهَا" إسرائيل و"دَعْشَنَتْها" و"قَعْدَنتْها" أمريكا.

المشكلة أنّ الفكر الإسلامي السّلفي الأصولي الجديد ساهم في أسلمة القضايا العربية والفلسطينية، ما جعل الصهاينة والاستعمار الغربي يستغلها على أحسن وجه لصالحه.

هنالك نيّة مقصودة ومُبيَّتَة من أجل أسلمة الصراع الإسرائيلي العربي، ما يصبّ في تبرير حقّ اليهود بالدفاع عن يهوديتهم وحقهم التاريخي ضد المسلمين "المخربين!" "الإرهابيين!؟" الذين يهددون كيانهم، وبحجة أنّ الديانة اليهودية جاءت تاريخيًا قبل الديانة الإسلامية، ما قد يجعل الـمُتلقّي يظن أنه اذا ربطنا القضيّة بالدين، فالرابح والذي على حق هم اليهود، مع إبعاد حقيقة أنّ القضية هي صراع مع حركة صهيوينة استعمارية جاء منظّروها من الغرب واستوطنوا في فلسطين.

البديل الثاني المطروح في المسلسل هو السلطة الفلسطينية التي تتعاون مع الاحتلال بناء على اتفاقيات أوسلو القائمة على التعاون الأمني مع إسرائيل. هنالك أيضا شبكة من العملاء المتعاونين مع إسرائيل ويأتمرون بأوامر أجهزتها المخابراتية. وأما البديل المقاوم الثالث فيبدو غائبا.

وعلى الرغم من أن "تنظيم داعش" الإسلامي لم يكن منخرطًا في القتال ضد إسرائيل، ولم يصرّح بأنّه سيحارب إسرائيل، فقد قام المسلسل بربطه بالصراع الدائر في منطقتنا، ما يعطي الحجة لإسرائيل بأنها تحارب الإرهاب الإسلامي المتوحش.

في الموسم الثاني من مسلسل فوضى يتم التركيز على قدوم قائد فلسطيني داعشي من سوريا الى الضفة الغربية لكي يحرّر فلسطين وينتقم من اليهود الذين قَتلوا والده، فيغتالُه المستعربون لكي يُظهِروا للعالم بأنّهم ضد داعش والنصرة، بينما هم في الواقع وفي الخفاء يدعمون داعش والنصرة ويأوونهم ويداوون جرحاهم في المستشفيات الإسرائيلية. الغريب في الأمر أنّهم أطلقوا على هذا البطل الداعشي اسم "المقدسي" أي من القدس، أي الفلسطيني الداعشي، أسوة بتسميات مثل: "البغدادي" أي من بغداد، و"الجولاني" أي من الجولان السوري، و"الزرقاوي" اي الأردني من الزرقاء، أي ربط المقاومة الإسلامية في فلسطين بـ"داعش".

ولكي تحذّر إسرائيل- وهذا في المسلسل- من خطر الإرهابيين عليها، فَقَدْ جعلتْهُم يخطِّطون لاستعمال "غاز السَّارين" ضد إسرائيل، رابطين بذكاء أحداث الفلسطيني الداعشي المقدسي القادم من سوريا لكي يقتل اليهود بغاز السّارين، وبذلك يضربون عصفوريّ فلسطين وسوريا "الإرهابِيّين!" بحجر واحد. لا بل يجعلون زعيم المقاومة "أبو أحمد" يعترف بأنه كان يخطط لاستعمال غاز السّارين ضد إسرائيل.

لعبة الديمقراطية الخادعة:
مسلسل فوضى هو مسلسل ديماچوچي خطير. صحيح أنّ مُنتجيه لهم وجهة نظرهم التي يسعون من خلالها الدّفاع عمّا يظنون أنه صراع وطني يخصهم كإسرائيليين يحكمون، ويريدون إثبات أنّهم بحاجة ماسّة للدفاع عن كيانهم، ولكن في المقابل فكل ذلك يحدث على حساب كياننا الفلسطيني والعربي، ويجدون المبرِّرات الكثيرة من خلاله لكي يثبتوا للعالم عن مصداقيّة قضيتهم، والتنبُّه الى الرُّعب الذي يُنتجه "إرهاب قضيتنا"، مع يقينهم أنّ ما يريدون إيصاله للعالم سيكون في الـمُحَصِّلَة لصالحهم، وضد مصلحتنا، داعمين وجهة نظرهم بأنّ مَن يشاركهم اللعبة هم عرب وفلسطينيون؛ طبعا يعتبرونهم ممثلين ومشاركين كمواطنين "إسرائيليين" يندمجون في اللعبة بما يقوّي وجهة النظر الإسرائيلية ضد قضيتنا العربية والفلسطينية.

نحن في مرحلة عدم الثقة من الآخر، فنحن بحاجة الى معرفته بذكاء، وبحذر وبحب استطلاع وبتشكُّك وبتردُّد عن نواياه تجاهنا. كل ذلك لأن مشكلتنا معه ليست نابعة عن صراع تفاوُضيّ، أو عن مشاعر عاطفية إنسانية مجتزأة مكرّسة من قِبَله لتعْمِيَتِنَا عن الحقيقة الأصلية للصراع فيما بيننا، بل عن اقتناع بأنّه لا يؤمن بأنّ قضيتنا عادلة، وهو يرفض أن يعترف بعدالتها. اذًا فمشكلتنا معه هي مشكلة وطنية سياسية غير محلولة، وليست مجرد صراع على من هو إنساني أكثر من الآخر من كلينا.

إنهم يحاولون من خلال المسلسل أن يتيحوا المجال لعدوهم "الإرهابي!"، الفلسطيني، المسلم، العربي، التعبير عن موقفه بكامل الحرية، ويجعلوننا إذا ما كنا حذرين ومنتبهين، القول والادعاء بأنّهم "ديمقراطيون" وأعطونا كامل الحرية للتعبير عن نوايانا "النضالية" و"المقاوميّة"، والإنسانية الى أبعد الحدود، بحيث يوهمونك بأننّا طرفان متساويان إنسانيًا، وكلٌّ منّا يناضل من أجل إثبات عدالة قضيَّته، ويجعلونك بدهاء شديد تشاهد إرهابيًا لديه حياة حقيقية وعواطف إنسانية مقابل المستعرب الإسرائيلي الإنساني بنفس الدرجة أو أكثر بكثير، وهذا ما يجعل الجمهور يتعاطف مع المسلسل من أجل كسب رضاء العالم العربي والفلسطيني والعالم بأسره. 

ولكن في الـمُحَصِّلَة النهائية فإنّهم يجعلوننا "من تَحْتْ لَتَحْتْ" نبدو وكأننا ننشر غسيلنا القذر على حبال إسرائيل، ويريدوننا أن نستسلم أمام حقيقة أنهم هم الغالبون دائما، وأننا مهما تذاكينا ومهما استعملنا شتّى الوسائل "الإرهابية"، فإنهم هم الأذكى وهم مَن يحسم المعركة النهائية، وفي النهاية وفي الـمُحَصِّلَة يكون النصر لهم وحدهم دائما.

نحن الطرف المليء بالعملاء والإرهابيين -حسب المسلسل طبعا- ولا يؤتمن لنا جانب، ونخون بعضنا، ونعاني من الانشقاق والنزعة الى الانتقام، وأنّ لدينا سُلطتين، سلطة فاسدة في الضفة الغربية وسلطة إرهابية في قطاع غزّة مزروعتان بالعملاء، وأنّنا مستعدون للموت أو لإماتة الـمُنَتمين لإرهابنا، بينما هم يقيمون الدنيا ويقعدونها إذا ما قُتل أو أُسِر أحدهم خلال معاركه البطولية من أجل "وطنهم" إسرائيل.

كل ذلك يقود في الـمُحَصِّلَة الى الاستنتاج بأنهم هم على حق ونحن، بعد أن نشاهد المسلسل، نُصاب بالمزيد من الإحباط والعجز والهزيمة والخذلان؛ فماذا يمكن أن يربح الإسرائيليون أكثر من ذلك من خلال مسلسلهم هذا؟ هذا هدف يستطيعون أن يَصِلوهُ أمام العالم، وقد حقّقوا نصرًا آخر يُضاف الى سائر انتصاراتهم، وبدون حرب حقيقية، بل حرب فنية إبداعية مسلسلاتية، تُضاف الى سائر انتصاراتهم العسكرية التي يمارسونها ضدنا.

يتساءل الإسرائيليون في إعلامهم دائما: كيف تريدنا أنْ نحمي أنفسنا من الإرهاب لولا وجود جيشنا ومخابراتنا ومستعربينا واحتلالنا؟ إنهم يطرحرون الأمر من زاويتهم الخاصة كطرف يدافع عن دولته وكيانه بذكائه وبأسلحته وبكل ما أوتي من قوة مقابل إرهاب يريد القضاء عليه. وهذا بالضبط ما يبثّه هذا المسلسل لكونه أقوى الوسائل الإعلامية التي لا يحتَلُّنا من خلاله فحسب، بل يحتل العالم بأجمعه، وبمشاركة ممثلينا معه في هذه اللعبة.

الغريب أنّ أحد الممثلين الفلسطينيين المرموقين(وهو من القدس المحتلة)، قال مؤكدا: "لدى الإسرائيليين هامش واسع من الحرية والديمقراطية ليست موجودة عندنا، وفي ذلك فأنا أحترمهم. ما ينقصنا نجده عندهم. وهذا ما يشجعنا على المشاركة في أعمالهم". في النهاية فهم يستغلون هذا الهامش الواسع لكي يستغلونا من خلاله، فلماذا نرفضه وهو هامش من "الحرية" و"الديمقراطية"، و"الإنسانية"؟

إننا وبحُجة حرية الرأي والديمقراطية يجعلوننا ننفّذ مآربهم لصالحهم ضدّنا، ونحن في المقابل نظنّ أننا نحن الذين نخدعهم وليسوا هم. السؤال الأخطر من ذلك، إذا كان الأمر كذلك، فهل هذا يشكل مبرِّرًا منطقيًا لنا لكي نشاركهم في أعمالهم هذه مَهْمَا كانت توجُّهاتهم السّياسيّة، حتى وإن كانت ضدنا وتُشوِّه قضيتَنا العادلة، لتصبح قضيتهم هي العادلة والمظلومة ونصبح نحن الظالمين والمعتدين.

من جهة أخرى:
تُرى، إذا طرحنا في أعمالنا الإبداعية قضايانا العادلة التي تخصّنا، بحيث نكون نحن الـمُنتجين لها، ونعبّر من خلالها عن لواعجنا ومغازينا وأهدافنا، وندعمها، او حتى أن نطرح من خلالها عيوبنا من باب النقد الذاتي،    فَهل هو الشيء ذاته مطروح من قبل الصهاينة عندما يشركوننا في أعمالهم الإبداعية المتحيّزة لهم؟

يقول بعض فنانينا في قرارة أنفسهم: "أنا بحاجة الى الشعور بالأمان والحذر والرقابة الذاتية، فاذا اقترحتْ عليَّ حركة تحرُّرية عربية المشاركة في مسلسل ضخم يتّهم الإسرائيليين بأنهم محتلون وصهاينة، ويدعو الى التخلّص من إرهابهم بواسطة كوماندوز عرب او فلسطينيين "مُسْتَهْوِدِين"، مقابل ما يصرّحه عنا أبطال مسلسل فوضى "المستعربون" بأننا قتلة ومخربون وإرهابيون، وأنّ المسلسل العربي مُقترَح عليكم من قبل حركة مقاومة ضد الاحتلال والصهيونية فهل سأقبل؟ طبعا لا، فهذا سيشكل خطرا عليّ لانني قد أُتّهم باللاسامية وبتشكيل خطر على إسرائيل وأمنها وعلى الكيان الصهيوني".

يَتهمون بالتطرف "سعيد نفاع" و"باسل غطاس" و"أمير مخّول" و"محمد كناعنة" و"هبة يزبك" وغيرهم كثيرون، ويتهمون "مسرح الميدان" بالتحريض ضدهم، لأنه تطرق الى حياة مناضل سجين اسمه "وليد دقَّة"، وبأنهم صرّحوا تصريحات وتصرفوا تصرفات تخلّ بأمن الدولة لمجرد تصرف صريح او في العلن او في الخفاء؛ فكيف سيكون الأمر عند المشاركة في مسلسل محرِّض ضد الإرهاب الإسرائيلي والاحتلال؟ القائمون على مسلسل فوضى والمصرِّحون علنًا عن مبادئهم الصهيونية سيرفضون حتما المشاركة في مسلسلنا الـمُزمَع إنتاجه والمناقض لمسلسلهم، لأنه يتناقض ومبادئهم الـمُعلَنة، ولأنّه سيُنتَج من قبل الطرف الفلسطيني او العربي او من قِبَل المتضامنين معهما والمؤمنين بقضيتهما العادلة، وسيكون مُوجّها لمحاربة الصهيونية وإرهابها واحتلالها. وأما بعض فنانينا بالمقابل، وبدافع الرقابة الذاتية على مصالحهم الرزقية والأمنية والأمانية، فإنهم أيضا لن يجرؤوا على المشاركة في مثل هكذا أعمال فلسطينية قد تعرّضهم للملاحقة الأمنية والرزقية.‎

الدرس الإيجابي والعبرة التي نتعلمها ونستغلها من هذا المسلسل: لن نتغلب على الاحتلال وعلى الظلم وعلى المعتدي وسالب الأوطان الا اذا أصبحنا أذكى وأجهَز منه. كلما عرفنا الحقيقة اكثر وبِدقّة وبذكاء تصبح مواقفنا من القضايا العادلة أوضح. ولكي يبدو الأمر منطقيًّا أكثر، فهل سيكون الأمر أكثر توازنا في المواجهة بين الطرفين بأن تصبح المواجهة عبارة عن "مُستَهْوِدِينْ" مقابل "مُستَعْرِبينْ"؟، وهل سيؤدي ذلك الى انقلاب الموازين، من خلال المزيد من الحرب والمواجهة والقتال؟     

الإبداع والسياسة والنوايا الإنسانيّة الحسنة:
ولأنّ مسلسل "فوضى" هو مسلسل سياسي من الدرجة الأولى ويلعب على الوتر العاطفي والإنساني والتشويقي في زمن الصراعات والحروب، وفي زمن لم تُحلّ فيه قضايانا الوطنية الفلسطينية والعربية، فإنّه يختلف كلِّيَّا عن أعمال أخرى غير سياسية بشكل مباشر، وتطرح مواضيع إبداعية واجتماعية وإنسانية. لا بل يعنينا كثيرا أنّه لا بدّ أن تُطابق مَزْبَطَةَ ما يَكتُب صانِع هذه الأعمال ومنتِجها مع خَتْمَهُ، أي أنّه لا يمكن أن ننعتَ عمَله بالتقدّمي والعادل اذا كان هو في الأصل عُنصريًا وقاتلًا ومحتلًا للآخر، والذي يجعله يلعب معه لعبته الإبداعية والسياسية.

وأوضح مثال على تطابق ما يكتبه ويبدعه الكاتب مع قناعاته السِّياسية والعلميَّة، وعندما يكون الأمر مطروحًا بشكل مباشر على شكل سرد تاريخي تقدمي، هو ما يكتبه ويصرّح به المؤرخ اليهودي غير الصهيوني البروفيسور "إيْلانْ پَاپِة"؛ فعندها لا يكون العنصر الإنساني العام واضحًا كما هو الحال عند قول الحقيقة التاريخية كما هي، وليس من خلال تزييفها. إنّه يُصرّ على أن الكيان الصهيوني المحتل لفلسطين هو كيان عنصري استيطاني ويمارس التطهير العرقي للفلسطينيين الذين استوطن وطنهم وهجّرهم ومارس كل أنواع العنف والتفرقة ضدهم.

هنالك محاولات مثلًا للّقاء بين الطرفين بشكل مسالم من خلال الموسيقى، وعلى سبيل المثال ما حاوله اليهودي "دانيال بيرنباوم" والفلسطيني"ادوارد سعيد" من خلال الموسيقى، وتأسيس أوركسترا الشباب التي تضم أناسا من إسرائيل وفلسطين والعالم العربي. وقف "بيرنباوم" على منصة الكنيست(البرلمان الإسرائيلي) لكي يستلم جائزة "صندوق وولف"، فهاجم سياسة إسرائيل التي تحتل أراضي ال67 وتتسلط على الشعب الفلسطيني، ولا تُطبّق بنود "وثيقة الاستقلال" الإسرائيلية التي تنادي بالمساواة بين مواطني الدولة بدون تمييز بينهم. وبادّعائه هكذا عارضته وزيرة الثقافة "لِيمُور ليڤْنَات" واتّهمته أنّه يقف ضد دولته لصالح الفلسطينيين، ويستغل منصّة الكنيست لكي يهاجم دولة إسرائيل. حتى عندما طالب "بيرنباوم" من على منصة الكنيست بإعطاء الفلسطينيين جزءًا صغيرًا من وطنهم التاريخي على حدود ال67 اتهمته وزيرة الثقافة بالتطرّف.    

مع أن تجربة الأوركسترا كانت تجربة تحاول أنْ تغلّب اللقاء الإنساني على الصراع السياسي والوطني العام، ومحاولة جعل الإبداع والفن يعبّران عن نوايا حسنة تجاه الطرفين الفلسطيني والعربي من جهة، والإسرائيلي من جهة أخرى، إلا أنّنا في الـمُحَصِّلَة عُدنا الى المربع الأول، ألا وهو أنّ القضية الفلسطينية هي قضية وطنية غير محلولة، وبالتالي فالسّياسة تدخل حتى في الشؤون الموسيقية والإبداعية والفنية. هل تستطيع الموسيقى والتجمع الفني أن يشكِّلا قوةً كافية لجعل الطرف المحتل الاقتناع بأنْ يتنازل عن احتلاله لنا واستيطانه مكاننا في وطننا؟ أم أنّ القضية أكبر من ذلك بكثير، وأنها متعلقة بالقيادات العليا التي لا تريد أن يعود الحق الى أصحابه، بقولهم ما دمتُ انا القوي فأنت ترضخ لشروطي وللمصير الذي أحدِّده لك؟ وبما انك انت الطرف الضعيف، فلن تستطيع الحصول على ما أصبَح مُلكًا لي، ولن أعطيك ولو جزءًا بسيطًا منه. (كما لم يستطع الفنان الألماني الثوري "بيرتولد بريخت" إسقاط الرايخ الثالث النازي من خلال مسرحه الثوري الاشتراكي الماركسي).

وعلى الرغم من كل ذلك، فهذه التجارب الموسيقية والمسرحية تختلف عن تجربة مسلسل "فوضى"، لكونه يتطرّق الى قضايا سياسية عسكرية مخابراتية بحتة.

بعض الروابط ذات العلاقة، ومصادر ومقابلات وتصريحات عن فوضى:  
https://www.youtube.com/watch?v=KkqFy_839pU
https://www.ynet.co.il/articles/0,7340,L-5676854,00.html
https://e.walla.co.il/item/3341573
https://www.mako.co.il/tvbee-tvbee-weekend/Article-0e9572fdc228071027.htm

* مسرحي وكاتب فلسطيني من الجليل. - asseera.theatre@gmail.com



الإسم
البريد الإلكتروني
التعليق
رمز الأمان

1 نيسان 2020   كلاب، لِشَمِّ اللُعاب ! - بقلم: توفيق أبو شومر

1 نيسان 2020   "المواطن".. يحرق "الكورونا" في سجن نفحة..! - بقلم: عيسى قراقع

1 نيسان 2020   لروح تيريز السلام..! - بقلم: عمر حلمي الغول

1 نيسان 2020   الشائعات في زمن الكورونا وكيف نواجهها؟ - بقلم: د. أحمد إبراهيم حماد

31 اّذار 2020   إسرائيل وغزة وسيناريو الرعب الزاحف..! - بقلم: د.ناجي صادق شراب

31 اّذار 2020   مع تيريز الثورة..! - بقلم: د. أحمد جميل عزم

31 اّذار 2020   "الكورونا" و"يوم الأرض"..! - بقلم: عمر حلمي الغول

31 اّذار 2020   سيناريوهات كورونا في فلسطين..! - بقلم: هاني المصري

31 اّذار 2020   الأرض في الشعر الفلسطيني..! - بقلم: شاكر فريد حسن



30 اّذار 2020   يوم الأرض في ذكراه الرابعة والأربعين..! - بقلم: د. عبد الرحيم جاموس

30 اّذار 2020   رصاصاتها أصابت نتنياهو.. تيريزا هلسة: مناضلة من طراز خاص..! - بقلم: عبد الناصر عوني فروانة

30 اّذار 2020   حماقة ترامب ونتنياهو..! - بقلم: د. ألون بن مئيــر

29 اّذار 2020   "كوفيد-19"... هل تتعظون؟! - بقلم: فراس ياغي



29 اّذار 2020   أبرتهايد ضدَّ زيتون فلسطين..! - بقلم: نبيل عودة



22 اّذار 2020   نتنياهو يستغل أزمة كورونا للبقاء في السلطة..! - بقلم: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية - مدار



1 اّذار 2020   جمر المحطات: عذاب حواس تتمزق بين سطور كتاب..! - بقلم: تحسين ياسين




27 اّذار 2011   عداد الدفع المسبق خال من المشاعر الإنسانية..!! - بقلم: محمد أبو علان

13 شباط 2011   سقط مبارك فعادت لنا الحياة - بقلم: خالد الشرقاوي

4 شباط 2011   لا مستحيل..!! - بقلم: جودت راشد الشويكي


1 نيسان 2020   مواجدُ في وحدتيَ البعيدة..! - بقلم: فراس حج محمد

31 اّذار 2020   الأرض في الشعر الفلسطيني..! - بقلم: شاكر فريد حسن



30 اّذار 2020   يا يوم الأرض..! - بقلم: شاكر فريد حسن


8 كانون ثاني 2011   "صحافة المواطن" نافذة للأشخاص ذوي الاعاقة - بقلم: صدقي موسى

10 تشرين ثاني 2010   رساله .. - بقلم: جودت راشد الشويكي

3 تشرين ثاني 2010   شخبطة صحفية - بقلم: حسناء الرنتيسي

27 تشرين أول 2010   المدلل .. - بقلم: جودت راشد الشويكي

21 تشرين أول 2010   فضفضة مواطنية - بقلم: حسناء الرنتيسي


4 اّذار 2012   الطقش


26 كانون ثاني 2012   امرأة في الجفتلك



 
 
 
top

English | الصفحة الرئيسية | كاريكاتير | صحف ومجلات | أخبار وتقارير | اّراء حرة | الإرشيف | صوتيات | صحفيون وكتاب | راسلنا

جميع الحقوق محفوظة © لشبكة  أمين الأعلامية 2020- 1996 
تصميم وتطوير شبكة أمين الأعلامية