24 March 2017   Uri Avnery: The National Riddle - By: Uri Avnery


20 March 2017   Revisiting the Oracle: Turner at the Frick - By: Sam Ben-Meir

17 March 2017   Uri Avnery: The Most Moral Army - By: Uri Avnery


10 March 2017   Uri Avnery: Perhaps the Messiah will Come - By: Uri Avnery




6 March 2017   Trumpism And Anti-Semitism - By: Sam Ben-Meir

3 March 2017   Uri Avnery: The Cannons of Napoleon - By: Uri Avnery

1 March 2017   Palestinians celebrate second Arab ‘idol’ - By: Daoud Kuttab













5 أيلول 2015   "من الأزل".. آخر كتب الراحل جونتر جراس - بقلم: المركز الألماني للإعلام (ألمانيا إنفو/ almania info)



29 نيسان 2010

النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني

تفكير أخر، استراتيجية جديدة

 

طباعة     إرسال في البريد الإلكتروني

بنظرة إلى الخلف، يتضح أن أهم حدثين أمنيين وقعا في السنوات الأخيرة هما :الانفصال عن غزة وحرب لبنان الثانية. وللحدثين عوامل مشتركة ليست قليلة مثل :مسهما بصورة إسرائيل كقوة عسكرية إقليمية قادرة على الدفاع عن نفسها بشدة في محيط معادي، وخلقا انطباعا عند أعداء إسرائيل أنها دولة تشبه “عش العنكبوت”، كما ساهما في بروز روح إسلامية متطرفة للقوى التي تريد الاستمرار في الكفاح المسلح ضد إسرائيل إلى حين تحقيق النصر عليها.
والحدثان الصعبان اللذان تسببا في وقوع أضرار حقيقية للأمن القومي، لم يأتيا بحكم الأمر الواقع، ولم يفرضا علينا، كما أنهما لم ينبعا من ضعف شديد للدولة أو المجتمع والجيش الإسرائيلي. وخلال الصراع مع الفلسطينيين عام 2004 كانت إسرائيل هي المنتصرة. لكن وقع ومن دون مقدمات تحول قاتل في سياسة إسرائيل. أما في الصراع مع حزب الله، فقد كان في قدرة إسرائيل تحقيق نتائج لا تقدر بثمن من دون صعوبات، مقارنة مع النتائج التي تحققت في حرب صيف عام 2006. والتحول من النصر إلى الفشل في الجبهتين الفلسطينية والشمالية، كان بسبب القيادة. ولو كان لإسرائيل قيادة مناسبة تتبنى نظرية شاملة، لأمكن منع وقوع الحدثين. ولكانت الولايات المتحدة والقوى المعتدلة في المنطقة في مواقع قوة أكثر مما هو عليه الوضع الأن. ولا تمكنت حماس من السيطرة على غزة ولم يتولد لدى الإسلام الجهادي الإحساس بأن التاريخ يقف إلى جانبه، وكذلك على قدرته بحسم المعركة أمام إسرائيل في المستقبل المنظور.
إضاعة الفرصتين في العقد الماضي كان لهما تأثير تاريخي. فعندما إندلعت حرب الإرهاب الفلسطيني قلت أن الحديث يدور عن المعركة الأهم لإسرائيل منذ حرب الاستقلال. ولن أتراجع عن هذه المقولة. فالتحدي الذي وضعه عرفات أمامنا كان تحديا وجوديا، وإذا لم نكن نواجهه فإننا نعرض مستقبلنا للخطر. وما زال التحدي قائما حتى بعد وفاة عرفات، فالضغط الفلسطيني المشترك –الإرهاب والديموغرافيا والهجمة على شرعية وجود دولة إسرائيل- يواصل سعيه لتقويض دولة إسرائيل كدولة يهودية ذات نظام حكم ديموقراطي. وعليه، فإن مقاومة شديدة لهذا الضغط هو أمر حيوي. لكن القيادات الإسرائيلية المختلفة فشلت في المقاومة. وبسبب الضعف الذاتي، ولاعتبارات خارجية أو في أعقاب ضغوط من قوى الضغط المختلفة، لم تنجح هذه القيادات في إيجاد استراتيجية مقاومة طويلة الأمد. ونتيجة لذلك حدث السقوط الذي مس بالمصالح الحيوية لإسرائيل ومنح الفلسطينيين والجهات المتطرفة الأخرى الإحساس بأن الضغط على إسرائيل يعطي نتائج.
وعلاوة على إضاعة الفرصة المضاعفة، تبث إسرائيل رسالة ضعف حتى في إدارتها المختلفة. فالصمت على إطلاق الصواريخ اليومي على المستوطنات المحيطة بقطاع غزة، والامتناع عن القيام بأي عمل عسكري ضد القطاع والاستعداد للاتفاق مع حماس على الهدنة بالطريقة والشروط التي وافقت عليها يرسل رسالة ضعف. حتى بالطريقة التي نخوض فيها النقاش العام حول أسرانا فإننا نوجه رسالة ضعف لأعدائنا، وحول ذلك سأتوسع قليلا.
القادة عليهم العمل فوق العادة من أجل منع خطف الجنود، وتحت قيادتي لم يخطف أي جندي. وهناك من سيدعي أنه تحت قيادتي للجيش لم يخطف ولا أي جندي. أيضا أقول لهم مقولة نابليون ويغيئال يادين في هذا الموضوع. كل عملية خطف لجندي تشير إلى فشل القيادات العسكرية. لكن الأخطاء والفشل سيكونان دائما. لكن يجب الاستعداد لهذه الاخطاء ووضع سياسة واضحة في موضوع الإفراج عن الأسرى والمختطفين.
وحول التزام إسرائيل والجيش الإسرائيلي للجنود والمدنيين والذين يقعون في الأسر (أو يخطفون وفق العادة المتبعة في العقدين الماضيين) لا يوجد نقاش. وعلى جميع الأجهزة الحكومية والعسكرية، بذل كل الجهود الممكنة من أجل الإفراج عن الأسير، حتى لو تطلب ذلك تحمل المخاطر المحسوبة مثل عملية تحرير الجندي نحشون فاكسمان، أو عمليات خطف “صيد ثمين” من أجل مبادلته مثل خطف الضابط السوري عام 1972 جواد القصبي والشيخ عبيد عام 1989 ومصطفى ديراني عام 1994. لكن عندما لا يمكن تحرير الأسير عن طريق عملية عسكرية تطرح مسألة صفقة تبادل الأسرى ومعها الثمن الذي علينا دفعه مقابل ذلك.  
وفي العقيدة اليهودية معروفة قصة الحاخام اليهودي من روتنبرغ، الذي عاش في القرن الثالث عشر بألمانيا. في تلك الفترة كانت هناك حالات خطف لليهود من قبل القبائل البالستية، وأحيانا من قبل السلطة من أجل الحصول على فدية. ونظرا لحساسية الشعب اليهودي واستعداده لدفع الفدية، انتبه لذلك الخارجون عن القانون والسلطة في تلك المنطقة واعتبروها نقطة ضعف تؤد لنتائج. وكان خطف اليهودي يحقق أرباحا كبيرة مقابل الإفراج عنه.
الحاخام من روتنبرغ وهو من كبار حاخامات تلك الفترة اعتقل وسجن من قبل السلطات التي طالبت مقابل الإفراج عنه فدية. وجمع اليهود الفدية المطلوبة وهموا بدفع هذا المبلغ، لكن الحاخام رفض ذلك بشدة، وسار وفق النهج التلمودي الذي يقول :”لا فدية لأسير أكثر من اللازم”. وتوفي وهو في السجن بعد سبعة أعوام.
ومن خلف هذه القاعدة يوضع الإفتراض المبسط وهو أن الاستعداد بدفع ثمن مبالغ فيه مقابل الإفراج عن أسير يشجع على عمليات خطف أخرى. وما فهمه رجال الدين سابقا ينطبق على الوضع اليوم. لكن دولة إسرائيل التي حافظت على نفسها من دون أن تتنازل حتى في أصعب عمليات المساومة بدأت بسلسلة تنازلات للخاطفين بدءا من صفقة أحمد جبريل وحتى اليوم.
ومن الناحية العملية، فإن دفع ثمن مرتفع مقابل الإفراج عن أسير تسبب بسلسلة من التصادمات الأخلاقية مع قيم حياة الانسان أو التضحية بالنفس. ونتملك تجربة كافية لأن نقول بصوت عال وواضح عن عدم استعدادنا للخضوع لمطالب المخربين في العمليات التي شنت ضدنا بهدف الافراج عن الاسرى في السبعينيات من القرن الماضي أدت لتوقف استخدام اسلوب هذ العمليات، أما خضوعنا لمطالب المخربين مقابل الإفراج عن أسرانا فقد أصبحت عمليات الخطف أكيدة.
وعليه، لا اوافق على مقولة “الإفراج عن أسرانا بأي ثمن”، لأنها مقولة خطيرة وغير مسئولة. والاستعداد لدفع أي ثمن تشجع عمليات خطف أخرى. والإفراج عن المخربين من السجون مقابل سجين أو مخطوف تعرض حياة الأخرين للخطر، لأنه سيعرض المزيد للخطف وتشتد العمليات الإرهابية من قبل المخربين المفرج عنهم.
وخلال المفاوضات لتحرير أسراها على دولة إسرائيل أن تخفض التوقعات حول استعدادها لدفع الثمن مقابل الإفراج عن مساجينها. وعليها أن تصر على مبدأ أنه مقابل جثث تسلم جثث، ومقابل أسرى أحياء أسرى أحياء. وعندما يكون الحديث عن أسرى أحياء يجب أن لا يكون الثمن مدويا. ولا يوجد شك بأن مثل هذه السياسة ستؤدي إلى تراجع الرغبة بخطف جنود ومدنيين إسرائيليين، وفيها توازن مناسب بين التوتر بدفع الفدية للافراج عن الأسير والرغبة في لمحافظة على الحياة.
وفي الواقع الإسرائيلي فإن هذا الأمر هو أولا وقبل أي شيئ آخر هو تحدي قيادي. وضغط عائلات الإسرى أو المختطفين، والتغطية الإعلامية مع آلامها، تشكل رافعة ضغط على القيادات الذين يخضعون مرة تلو الأخرى لمطالبهم من أجل حل المسألة الموضوعة على جدول الأعمال في المدى القصير، مع الاستعداد بدفع أثمان باهظة جدا على المدى البعيد
وإدارتنا كمجتمع، بخصوص فدية الأسرى، تشبه إدارتنا كمجتمع في المجال السياسي-الاستراتيجي، وتتميز بعيوب خطيرة: المجتمع الإسرائيلي يريد حلا –والأن، وهو مستعد لدفع الثمن من مصالحه على المدى البعيد مقابل مصالحه على المدى القريب وفق المثل الشعبي الذي يقول “عيشني اليوم وموتني بكرة”. وفي إطار عملية الخصخصة دفع المجتمع الإسرائيلي في العقود الأخيرة ثمن باهظ جدا من ممتلكاته الاستراتيجية، إلى الفرد (ولأسفي شمل ذلك حركتي، الحركة الكيبوتسية، التي إنجرفت وراء التيار).
ونتيجة لكل ما ذكر، يرسل المجتمع الإسرائيلي رسالة ضعف من خلال استعداده لدفع ثمن تحرير الأسير، وعبر عن هذا الضعف في مجالات أخرى مثل، الأسرى والانسحاب والانفصال أحادي الجانب والإنطواء، وما شابه ذلك. وأعود وأكرر :لا يوجد شك بأن استعدادنا للخضوع لمطالب منظمات الإرهاب يعزز صورتنا عندهم بأننا كـ “بيت العنكبوت” (حسب وصف نصرالله) أو الشجرة اليابسة (حسب وصف أحمدي نجاد)، أو الكيان الصهيوني شاخ ولن يصمد أكثر من عشرة أعوام (حسب وصف بشار  الأسد وحاشيته).
ومن أجل ذلك، أرى بمسألة فدية الأسرى شأن ذو أهمية استراتيجية لا يجب التقليل من شأنها. لكن، لا يعني ذلك أن دولة إسرائيل وجيشها غير ملتزمين ببذل كل الجهود من أجل الإفراج عن الأسرى وإعادتهم إلى الدولة. لكن يجب أن لا يتم ذلك “بأي ثمن” .
ونظرية “بيت العنكبوت” ليست عابرة، بل هي نظرية مشتركة لياسر عرفات وأحمد ياسين وورثتهم من بعدهم مثل حسن نصرالله وأحمدي نجاد والقيادة السورية الحالية. وتقول نظرية “بيت العنكبوت” أن إسرائيل تبدو من الخارج دولة قوية، لكنها من الداخل دولة ضعيفة، لأنها مجتمع متنوع، وأبنائها غير مستعدين لتعريض حياتهم للخطر من أجل بقاء دولة إسرائيل. ولأن الأمور هكذا، فإذا أغرقنا إسرائيل بالدماء فإنها تنسحب، لأنها غير قادرة للدفاع عن مواقعها. ومن إنسحاب إلى آخر، إسرائيل تتراجع للحدود التي لا يمكن الدفاع عنها. وخلال ذلك تنكسر روحها المعنوية ويزداد عدم استعداد مواطنيها بتعريض حياتهم للخطر لصالح دولة تقل حيويتها بالنسبة لهم باضطراد. وبهذه الوصفة السحرية آمن عرفات ونصرالله. ومع إضافة العنصر الديموغرافي والمأزق الدولي ستدمر الدولة اليهودية القومية في نهاية الأمر.
ومن نظرية “بيت العنكبوت” فرضت علينا طريقة حرب حزب الله والفلسطينيين. ولم يكن هدف هذا القتال تحقيق النصر، بل شن حرب استنزاف مدنية. واستخدام الصواريخ من قبل حزب الله والإنتحاريين من المنظمات الفلسطينية المختلفة –ليس فقط من حماس- كان الهدف منه الالتفاف على التفوق العسكري الإسرائيلي والضرب بعمق الجبهة المدنية. وكان اعتقاد أعدائنا وما زال، أنه إذا وقع عدد كبير من الضحايا المدنيين اليهود، فإن الرغبة بالقتال تتقهقر وتختفي في نهاية الأمر. وحتى في الهجمات التي وجهت ضد الجيش الإسرائيلي، فقد كان الهدف منها هو إيقاع عدد كبير من الشهداء، على أمل أن يؤدي ذلك إلى تدمير المجتمع الإسرائيلي، بهدف الضغط على حكومة إسرائيل لتستسلم وتوقف حمام الدماء من خلال تقديم تنازلات إضافية، من أجل الحصول هدوء مؤقت. وفي الحالتين –حرب الارهاب الفلسطيني وحرب لبنان الثانية- أثبت المجتمع الإسرائيلي ،في معظمه، قدرات صمود وتجنيد مذهلة. ومن فشل هم القيادة.
ولأن الأمور تسير بهذه الطريقة، تعتبر نظرية “بيت العنكبوت” تحدي استراتيجي وضع أمام إسرائيل. ولو حددت إسرائيل لنفسها أهداف وطنية لأعوام ما بعد 2000، لكان أهمها كسر نظرية بيت العنكبوت، من خلال كسر الانطباع بأن إسرائيل دولة ضعيفة وغير قادرة على الدفاع عن نفسها. ومن أجل ذلك، كان لزاما على إسرائيل أن تثبت لحزب الله وللفلسطينيين أنهم لن يحققوا شيئا بواسطة هجماتهم على الجبهة الإسرائيلية الداخلية، ومن خلال إسقاط الشهداء. ولو لم تنفذ إسرائيل الفصل الأحادي الجانب في عامي 2004–2005، ولو أدارت المعركة بشكل ملائم مع حزب الله عام 2006 لنجحت في تحقيق هذا الهدف، كما نجحت بعمل ذلك –مؤقتا وجزئيا- بتجنيد المجتمع والإنتصار في عملية السور الواقي حتى الانفصال. ولو حصل ذلك لأفرغت نظرية “بيت العنكبوت” في الجبهات المختلفة من مضمونها، ولنجحت في وضع قاعدة جديدة لشبكة العلاقات مع القوى المتطرفة المحيطة بها. وكان الردع سيخلق نوعا من احترام الخوف اتجاه إسرائيل، يمنع تجدد العنف ويوفر جولات عنف إضافية. وربما سيمر وقتا طويلا يسمح ببداية مرحلة تحول في العالم العربي وبالمجتمع الفلسطيني، وهي مسيرة تؤدي في نهاية المطاف لبداية مسيرة سياسية حقيقية، لا تعتمد بالضرورة على انسحابات إسرائيلية. لكن تفويت الفرص التاريخية الكبيرة في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين أبعدنا عن الواقع المرغوب فيه من ناحية إسرائيل وأعادنا للخلف، إلى الوضع الذي يعتقد فيه طالبوا أرواحنا بأن دمج محكم لعناصر الديموغرافيا والنضال السياسي والكفاح المسلح يمكن لها أن تلحق الهزيمة بإسرائيل.
الوقت لم يفت بعد، لكن ذلك يتطلب التحرر من النظرية/النموذج الخطير وتبني استراتيجية جديدة. والموضوع المصيري الذي علينا التخلص منه بسرعة من أجل مستقبلنا هو من النموذج الحالي في علاقتنا مع الفلسطينيين.
والنموذج المسيطر في علاقتنا مع الفلسطينيين هو نموذج حل دولتين لشعبين –أي الاستعداد لدولتين في حدود أرض إسرائيل (بين البحر الأبيض ونهر الأردن)- تعيشان جنبا إلى جنب بسلام :دولة إسرائيل وإلى جانبها الدولة العربية الفلسطينية في قطاع غزة ويهودا والسامرة، بحدود عام 1967 بشكل أو بأخر. وهذه النظرية مسيطرة على السياسة الدولية وبدرجة كبيرة مسيطرة على الحوار العام في إسرائيل. وهي الأساس للمسيرة السياسية التي بدأت بعد التوقيع على اتفاق أوسلو في أيلول عام 1993 – وهي المسيرة التي فشلت.
فشل تطبيق اتفاق أوسلو والتعمق في تاريخ العلاقات التاريخية بين الصهيونية ودولة إسرائيل من جهة، وبين الحركة الوطنية الفلسطينية -م.ت.ف- تتطلب إعادة بحث هذا النموذج وتشجيع بروز نموذج جديد.
وحول فشل مسيرة أوسلو كتب عدد ليس بقليل من الكتب والمقالات. وتطرقت جميعها لسلسلة الأحداث السياسية والأمنية منذ توقيع الاتفاق وحتى هذا اليوم، وأغلبها وقع في مصيدة “البيضة والدجاجة”، عندما يتطرقون لهذا الحدث أو ذاك كسبب للفشل. والنظر إلى الأمور بهذ الشكل من السهل الوقوع في مصيدة الاتهامات المتبادلة، خاصة في استمرار جلد الذات الإسرائيلية باتهامها بالفشل.
ولدولة إسرائيل مسئولية عن أخطاء تنفيذ الاتفاق وعلى نشاطات مواطنيها الذين مسوا الاتفاق وأبرزها –مذبحة الخليل ومقتل رابين. ومع كل ذلك، هذه الأعمال وغيرها وأخطاء في الإدارة مست المسيرة السلمية بالضرر. لكن لم تكن هي سبب الفشل الشامل.
والطريقة الوحيدة لبحث الفشل يجب أن تعتمد على كشف الأهداف السياسية وإدارة الجانبين.
ومن هذه الناحية أطرح خمسة ميزات للفشل وهي :
1. في اتفاق أوسلو اعترفت إسرائيل للفلسطينيين بحق تقرير المصير، وبـ م.ت.ف ممثل للحركة الوطنية الفلسطينية، وسمحت بإقامة السلطة الفلسطينية على طريق إقامة الدولة الفلسطينية. ومقابل ذلك، لم يعترف الفلسطينيين بالصهيونية كحركة قومية يهودية، ولا بحق اليهود ببيت قومي –دولة إسرائيل اليهودية. ولا يشبه، الاعتراف بإسرائيل كحقيقة قائمة (كثيرون من الفلسطينيون يعتقدون أنه يجب مقاومة مثل هذا الاعتراف)، الاعتراف الإسرائيلي بهم. والتجربة الإسرائيلية بالإصرار على الاعتراف الفلسطيني بإسرائيل كدولة يهودية رفض من قبل الفلسطينيين. واضطر رابين إلى التنازل عن هذا الطلب في اتفاق أوسلو، واكتفى بالتزام عرفات بتغيير الميثاق الفلسطيني بطريقة يفهم منها هذا الاعتراف. والميثاق الفلسطيني لم يغير، رغم الالتزام. ويعبر عدم الاعتراف هذا عن السعي الفلسطيني لمسح دولة إسرائيل كدولة يهودية مستقلة. بكلمات أخرى :لم يكن الهدف الفلسطيني إقامة دولة في حدود عام 1967 (في قطاع غزة ويهودا والسامرة)، بل يتطلعون لإقامة دولة فلسطينية على بقايا دولة إسرائيل  (من النهر حتى البحر). ولدعم هذا القول يجد الذكر أن العنف الفلسطيني لم يبدأ بعد عام 1967 بل بدأ مع بدء الحركة الصهيونية.
2. وإذا وافقنا على التحليل السابق، من السهل الإدراك لماذا شن عرفات الحرب في أيلول عام 2000، في الوقت الذي كان فيه الفلسطينون قريبين جدا من تحقيق دولة في حدود عام 1967. وحسب اعتقادي، شن عرفات الحرب من أجل التهرب من حل “دولتين لشعبين”، ومن الاعتراف العملي بدولة إسرائيل كدولة يهودية مستقلة. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن اعتبار حرب الارهاب التي بادر إليها عرفات في أيلول عام 2000 نموذجا لردود القيادة الفلسطينية على اقتراحات سابقة لتقسيم البلاد مثل، عام 1937 -لجنة بيل والثورة العربية الكبرى التي بدأت في نيسان من عام 1936 بعد وضع اقتراح التقسيم على جدول الأعمال. وتضاعفت أعمال العنف بعد رفض القيادة العربية فلسطينية اقتراح لجنة بيل 1947 التقسيم المقدم من قبل الأمم المتحدة وحرب الاستقلال وما تبع ذلك.
3. أثبتت قيادة م.ت.ف، الحركة الوطنية المدعومة من العالم في السنوات الأخيرة (سياسيا واقتصاديا) أنها لا تريد إقامة دولة فلسطينية في حدود عام 1967. وهناك من يدعي أن قيادة م.ت.ف أرادت، لكنها لم تستطع تنفيذ إقامة دولة فلسطيسنية في حدود عام 1967. وأدعي أن المشكلة ليست القدرة، بل هي الرغبة. وقد أقام عرفات ،وبقصد، كيان عصابات غير مسئول، من أجل المحافظة على كل الخيارات في كل وضع من خلال استخدام أو منح حرية العمل “لعملاء فرعيين” من التنظيم الذين تحولوا لشهداء كتائب الأقصى وحماس والجهاد الإسلامي، وما شابه ذلك. وأبو مازن يتصرف مثله، مستخدما ضعفه للتخلي عن مسئولياته. أنه أختار الضعف، فضعفه هي نقطة قوته.
4. “الانفصال” عن قطاع غزة في صيف عام 2005 كان فرصة للفلسطينيين أن يثبتوا لأنفسهم ولإسرائيل والعالم أن إلغاء “الإحتلال الإسرائيلي” عن غزة يؤدي لتغيير الوضع في كل الاتجاهات :الأمنية (وقف الإرهاب) وتطبيق النظام والأمن الداخلي والازدهار الاقتصادي والاستقرار السياسي. لكن سيطرة حماس على قطاع غزة بالقوة، والإدارة الداخلية واستمرار إطلاق الصواريخ يوميا على المستوطنات الإسرائيلية، أثبت أن المشكلة ليست بـ “الاحتلال” كما يحلو للبعض بالغرب (المناطق التي احتلت من قبل إسرائيل في حرب عام 1967)، بل بالاحتلال الذي يقول عنه الفلسطينيون أنه منتشر في كل أرض إسرائيل (من النهر حتى البحر).
5. سيطرة الإسلام الجهادي على الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني حول المفاوضات للتوصل لحل إقليمي أمر غير منطقي. لأنه وحسب الإسلاميين لا تملك أية سلطة/كيان الحق بالبحث في مصير أرض إسرائيل، بسبب قدسيتها. وحسب الشريعة الإسلامية تعرف أرض إسرائيل بالوقف، والمسئولية عنها هي بأيدي السلطات الدينية. وبالإضافة إلى ذلك، أدركنا أن محاولات دولة إسرائيل الاستجابة لطلبات أعداؤها، أو لسحب المطالب منهم بخصوص “الاحتلال” من خلال الانسحابات أحادية الجانب من لبنان عام 2000 ومن قطاع غزة عام (2005) عززت قوى الإسلام الجهادي (إيران وحزب الله وحماس).
 
وخلاصة مما ذكر نتوصل للنتائج التالية:
أ‌.       منذ أنطلاق الحركة الصهيونية لم يكن في صفوف القيادة الفلسطينية من هو مستعد للاعتراف بحق الشعب اليهودي العيش بدولة يهودية مستقلة.
ب‌.  منذ بداية الصهيونية بشكل عام، ومنذ عام 1967 بشكل خاص، لم تكن القيادة الفلسطينية مستعدة للاكتفاء بدولة فلسطينية في حدود عام 1967، أو الاكتفاء بأي تقسيم أخر في إطار الاتفاق الذي يعني “نهاية النزاع”
 
ونتيجة لذلك، لا يوجد احتمال لحالة مستقرة من الأمن والسلام على قاعدة حل الدولتين في المستقبل المنظور.
وعلى ضوء الإدارة الفلسطينية ،على مدار السنوات الماضية، خاصة منذ التوقيع على اتفاق أوسلو، يطرح سؤال إضافي وهو :هل يمكن حل القضية الفلسطينية مع أي قيادة فلسطينية في المدى المنظور، وتأسيس كيان سياسي مسئول بشكل يؤدي إلى الاستقرار، مع عدم السعي لمواصلة أعمال العنف وتدمير الأنظمة الأخرى ؟. وردي على ذلك هو رد سلبي اعتمادا على الحقائق التالية:
1. تسببت القيادة الفلسطينية بخراب ودمار في كل دولة منحتها قاعدة للعمل (الأردن ولبنان وفلسطين).
2. لم تثبت القيادة الفلسطينية التزامها بالاتفاقيات الموقع عليها (الأردن ولبنان وإسرائيل).
3. لم تثبت القيادة الفلسطينية أنها مهتمة بالإزدهار الاقتصادي :فأموال المساعدات التي منحت للسلطة الفلسطينية لم تستغل لتطوير بنية تحتية اقتصادية. فالفلسطينيون خربوا المناطق الصناعية والمعابر التي تستخدم كشريان الحياة الاقتصادية: والفساد في مؤسسات السلطة وعدم القدرة على حفظ الأمن والاستقرار ، ساهمت في هروب المستثمرين. لكن الأخطر من ذلك هو، أنني لم أشاهد أية رغبة أو نية عند قيادة م.ت.ف بالعمل على الازدهار الاقتصادي.
 
وما ذكر يذكرني بزيارة رسمية قمت بها إلى الأردن عندما كنت رئيسا لجهاز الاستخبارات. وخلال الزيارة تجولت مع صديقي الجنرال الأردني الذي استضافني بأماكن مختلفة (كنت أشعر براحة دائمة عند الانتقال إلى الأردن، حيث مكثت لسنوات طوال أنظر إلى تلك المنطقة أو الحدود كبلد عدو. وارتحت أكثر عندما زرت المناطق التي كنت أزورها بالسابق في زيارات غير رسمية. العلاقات مع الأردن كانت من أفضل العلاقات مع جيراننا، وهي مصدر أمل للمستقبل. وتعتمد على الاحترام والمصالح المشتركة). وخلال الجولة قرب المقابر التي قاتل فيها اللواء الأردني ضد م.ت.ف، حيث كان الجنرال المرافق لي قائد كتيبة في تلك الفترة، سألني وهو يقود جيب اللاند روفر الخاص به :”كيف تعتمدون على الفلسطينيين، من تجربتي معهم كلمتهم ليس لها قيمة، ومواقفهم ليست مواقف، وخلال المعارك في أيلول من عام 1970 وعندما كنا نوقع معهم اتفاق في المساء كانوا يخترقونه في النهار.
ولم أملك القدرة بالرد عليه، بل قاسمته تجربته المريرة بعدم احترام الفلسطينيين للاتفاقيات التي يوقعون عليها.
هذه المشكلة ذكرتني بتصريحات رئيس الحكومة دافيد بن غوريون عن “الصهاينة السذجاء”، في خطاب افتتاح دورة الكنيست في شهر شباط عام 1960 حين قال:
“مثل كل الصهاينة قبلي آمنت بنظرية أن عملنا سيجلب البركة لشعوب العرب … حينها كنا بسطاء في التفكير … اعتقدنا أن العرب يفكرون مثلنا –حتى انتخبت للإدارة الصهيونية وقلت :الأن علينا العمل لإيجاد سبيل لتطبيق هذه النظرية. وتداولت الحديث مع الزعماء العرب وفي كل الدول المجاورة … وتعلمت منهم أمر بسيط كان علي معرفته مسبقا، لكننا لا نعرفه، لأن الانسان لا يميل إلى خوض ما في داخل الآخر. أحد العرب وهو رجل مثقف ومستقيم [المقصد، على أقرب تأكيد موسى العلمي حسب البروفيسور زكي شلوم] … عندما تحدثت إليه حول بركة الاستيطان اليهودي لصالح العرب، قال لي :هذا صحيح، لكننا لا نريد هذه البركة، نرغب ببقاء هذه البلاد فارغة وفقيرة، حتى نستطيع عمل ما نريد. وإذا تطلب ذلك مئة عام سننتظر مئة عام.”
 
وطالما لم يكن هناك أي تغيير أساسي في هذا الوضع، لا أرى وجودا لكيان قابل للحياة في المناطق تكون له القدرة على النمو الاقتصادي المستقل. كذلك فإن الفوارق الاقتصادية بين دولة إسرائيل كدولة من العالم الأول (متوسط دخل الفرد فيها 26 ألف دولار عام 2007) وبين الكيان الفلسطيني التابع للعالم الثالث (دخل الفرد فيه أقل من 2000 دولار عام 2007) هي وصفة لعدم الاستقرار الدائم. وبنفس المستوى، أنا لا أرى احتمال لوجود كيان فلسطيني قابل للحياة يؤدي للاستقرار الأمني. بل على العكس، فاحتمالات نمو كيان سياسي معادي (كما جرى في غزة) كبير جدا. وعليه وفي المستقبل المنظور، أنا لا أرى احتمال حقيقي لإيجاد استقرار سياسي وأمني واقتصادي بين إسرائيل والأردن ومصر وبين السلطة الفلسطينية المستقلة.
مسيرة أوسلو التي اعتمدت اسلوب التجربة من أجل إيجاد مظلة بين إسرائيل والفلسطينيين على قاعدة حل دولتين لشعبين أدت إلى نتائج عكسية، حيث عززت وخلدت عدم وجود أية مظلة تعايش في النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني. وكان ذلك في صالح الفلسطينيين. ويطرح الفلسطينيين بشكل دائم مطالب أخلاقية وتاريخية وقانونية بحقهم في كل البلاد. وذلك على عكس المطلب الإسرائيلي بالعيش في أمن على جزء من أرض إسرائيل، وإلى ذلك مرفق الإجماع أن للعرب الحق بالعيش في كل مناطق ارض إسرائيل، ولليهود لا يوجد هذا الحق. المصدر الآخر ،وهو لا يقل أهمية هو عدم شرعية إسرائيل، يفترض أن المشكلة القومية الفلسطينية هي مشكلة دولة إسرائيل فقط، وحل القضية يجب أن يكون على حساب دولة إسرائيل فقط، من دون أية مساهمة من أي دولة محيطة. المصدر اللأخير لعدم شرعية إسرائيل هو التسليم بواقع أن الالتزامات الإسرائيلية في المفاوضات مع الفلسطينيين هي التزامات “منقوشة بالصخر”، بينما التزامات الفلسطينيين “محفورة في الثلج”.
والشرط الذي لا يمكن من دونه خلق تفكير جديد هو التحرر من النموذج الفاشل ومن الافتراضات الخاطئة المذكورة أعلاه. والعنصر المهم في النموذج المذكور ،الذي سبب أضرار كبيرة، هو ضرورة إيجاد حل. والعنصر الثاني هو السعي لإيجاد حل الأن.
وحسب اعتقادي، يجب عدم التطرق لحل النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني بمصطلحات حل في المستقبل المنظور، بل يجب النظر إليه وفق “إدارة الصراع”. وعليه، يجب طرح استراتيجة إدارة الصراع. وعلى هذه الاستراتيجية أن تحافظ وتعزز مصالح إسرائيل خلال فترة إدارة الصراع، وتهيئة الأرضية لإستقرار مستقبلي في المستقبل البعيد. وأنا مقتنع بأن وقف البحث عن “حل” والتحرر من النظرية الفاشلة ستشجع إيجاد تفكير جديد وتوجهات أخرى. فالطريق الطويلة هي الأقصر للوصول إلى الهدف.     
وافترضت نظرية أوسلو ،من ضمن ما افترضته، أن الحل السياسي والتطور الاقتصادي سيؤديان للسلام. ويمكن وصف هذه النظرية بالمشكلة لأنه تتحدث عن تطوير من أعلى لأسفل (top-down). والنظرية المذكورة هي المسيطرة حتى اليوم. وعبر عن هذا الوضع بمؤتمر آنابوليس (تشرين الثاني عام 2007) ومؤتمر الدول المانحة الذي عقد في باريس كانون أول عام 2007. وعلاوة على مسألة المفاوضات حول التسوية النهائية لا توجد آلية للتعاطي مع من لا يعترف بحق وجود إسرائيل كدولة يهودية مستقلة. وهنا يطرح سؤال آخر حول حيوية التفاوض مع من لم يثبت حتى الأن أية رغبة في القدرة على الحكم والسيطرة بروح المسئولية.     
وعليه، فإن الاستراتيجية الجديدة يجب أن تنفذ من أسفل لأعلى (bottom-up) حتى يثبت الفلسطينيين، أنهم يريدون ويسعون للحكم بروح المسئولية حسب مبدأ “سلطة واحدة، وسلاح واحد”.
وتكمن المصلحة الإسرائيلية بعدم السيطرة على الفلسطينيين أو إدارة حياتهم. وعليه، يجب تعزيز الفصل السياسي بيننا وبين الفلسطينيين –الفصل قائم منذ اتفاق اوسلو. ومن الناحية العملية، فإن الوضع الحالي في يهودا والسامرة هو حكم ذاتي، مع ارتباط وعلاقات متبادلة ومصالح مكثفة مع البنى التحتية الإسرائيلية ومسئولية أمنية إسرائيلية بحكم الأمر الواقع منذ عملية السور الواقي، ومن الأهمية بمكان المحافظة عليه في المستقبل المنظور.  
وفي قطاع غزة هناك حكم ذاتي شبه كامل، مع ارتباط كبير بالبنى التحتية الإسرائيلية (مياه وكهرباء) وارتباط بحركة دخول وخروج البضائع. وعلى دولة إسرائيل العمل للإنفصال الكامل عن قطاع غزة. وأن يتم هذا الفصل بصورة تدريجية، من أجل منع حدوث أزمات إنسانية. لكن طالما استمر الوضع السائد عند كتابة هذا الكتاب (خريف 2008) فإن قطاع غزة يعتبر كيان معادي.  
 ومن اجل أن تثبت السلطة الفلسطينية القدرة على الحكم، ومن أجل تطوير احتمال ما لتسوية ولوضع سياسي وأمني واجتماعي واقتصادي مستقر، على السلطة الفلسطينية تنفيذ إصلاحات شاملة في خمسة مجالات هي :التعليم والنظام والأمن العام والأمن والاقتصاد والمسيرة السياسية.
وحتى كتابة هذا الكتاب، لا يوجد احتمال لتنفيذ مثل هذه الإصلاحات في قطاع غزة. وعليه فإن المكتوب أدناه يتعلق بيهودا والسامرة فقط. وهذه الإصلاحات هي :
 
أ‌.            إصلاح التعليم
يتطلب التوصل لتسوية مستقرة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية إدخال إصلاحات في مجال التعليم، وطالما يدرس المنهاج الفلسطيني على عدم الاعتراف بحق إسرائيل بالوجود كدولة يهودية مستقلة، وينفي أية علاقة بين الشعب اليهودي وأرض إسرائيل، ويتعامل مع الصهيونية على أنها حركة إمبريالية، وأن كل الاستيطان اليهودي (بما في ذلك غرفيت وتل أبيب) هو استيطان استعماري غير شرعي، وكل إسرائيلي هو مستعمر غير شرعي. 
وطالما تدرس المناهج الفلسطينية الجهاد ضد إسرائيل وتعتبر الاستشهاد (الانتحار بصفوف الإسرائيليين) كوسيلة شرعية في هذه الحرب، لن يكون هناك احتمال بالتوصل لتسوية مستقرة.
ويجب أن يتضمن الإصلاح التعليمي المطلوب تغيير خطط التعليم ووقف التحريض في الحوار السياسي-العام، في وسائل الإعلام والمساجد.
 
ب‌.        الإصلاح في مجال النظام والأمن العام
يجب أن يكون الهدف في هذا المجال هو “سلطة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد”. الأمر الذي يعني وجود جهاز شرطة وجهاز تتنفيذي موحدان، لا يسمحان بوجود العصابات وأية تنظيمات مسلحة.
والإصلاح في هذا المجال يتطلب إعادة بناء الجهاز التنفيذي لتطبيق القانون بجميع عناصره: الشرطة والإدعاء العام والقضاء.
وبخصوص فرض القانون والنظام المطلوب في المدن والقرى الفلسطينية (مناطق A و B)  يجب أن يكون مرتبط بصورة ضعيفة مع إسرائيل (مثل التنسيق لحركة الشرطة المسلحة، أو التنسيق لنشاطات أمنية إسرائيلية في مناطق A من أجل منع مصادمات مسلحة بين الشرطة الفلسطينية والجيش الإسرائيلي)
 
ت‌.        إصلاحات أمنية
على السلطة الفلسطينية في إطار الإصلاح تنفيذ التزاماتها السابقة وهي:
أ‌.       توحيد الاجهزة الأمنية.
ب‌.  القضاء على الارهاب من خلال نشاط كامل وفعال في مجال جمع المعلومات ومنع تنفيذ العمليات، وتطبيق القانون.
 
كثرة الأجهزة الأمنية (لا يقل عن 13 جهاز !) في فترة تنفيذ اتفاق أوسلو (1994-2000) مكن قيادة السلطة الفلسطينية المناورة والسماح بعمل منظمات الإرهاب وحتى إقامة تنظيم إرهابي فتح/تنظيم –كتائب شهداء الأقصى.
عدم وجود جهاز تنفيذي لتطبيق القانون والقضاء في معالجة الإرهاب منذ بداية تطبيق اتفاق أوسلو وحتى هذا اليوم، نقل رسالة للتنظيمات المسلحة أنها شرعية من وجهة نظر السلطة الفلسطينية. والامتناع عن تقديم قتلة الإسرائيليين للمحاكم ليس بسبب القتل بل لتخريبهم الأمن والنظام العام أو المس بالمصالح الفلسطينية، وسياسية الباب الدوار في التعامل مع السجناء، شكلت جميعها رسالة واضحة وشرعية باستخدام الارهاب ضد إسرائيل.
وعليه، يجب وبالضرورة تأسيس جهاز أمن قوي، يهتم بمحاربة الإرهاب يجمع بين جمع المعلومات والمحاكمات.
 
1. 4.    إصلاح اقتصادي
هدف الإصلاح الإقتصادي يتطلب تحريك الاقتصاد الفلسطيني وتعزيزه، خاصة تعزيز رجال الأعمال الصغار والمتوسطين، الذين يشكلون عنصرا أساسيا في الطبقة الفلسطينية الوسطى.
محاولة تعزيز الاقتصاد الفلسطيني من خلال دعم السلطة الفلسطينية بعدة ملياردات من الدولارات، فشل للأسباب التالية:
أ‌.       الفساد الذي أدى إلى استخدام غير مناسب للأموال، إن كان بهدف الغنى للقيادة ومقربيهم (يتضمن تعزيز جهاز كبير من الأجيرين من دون القيام بأي عمل أو خدمة) وبين احتياجات الارهاب.
ب‌.  سلم أولويات معيب في القيادة، التي فضلت مواصلة الإرهاب على الرفاه الإقتصادي.
ت‌.  سلم أفضليات لمنظمات الإرهاب التي فضلت الفقر والضائقة المالية ،من أجل تجنيد الجماهير للحرب ضد إسرائيل، على الرفاه الاقتصادي. ولهذا السبب مست هذه التنظيمات بمعرفتها وبقصد بمصادر رزق حيوية مثل المناطق الصناعية والمعابر المطلة على إسرائيل.
 
والهدف من الإصلاح الاقتصادي المنشود تدمير الفساد وتشجيع المبادرات الاقتصادية لرجال الأعمال، الذين يشكلون العامود الفقري للطبقة الفلسطينية الوسطى، وهم القاعدة لأي مجتمع مدني.
ويجب على المساعدات الاقتصادية التي ستتواصل للسلطة الفلسطينية أن تستثمر -بحكمة وبمراقبة دولية من قبل خبراء خارجيين– في البنى التحتية المشجعة للتطوير الاقتصادي وبقروض ومنح لتطوير مشاغل للطبقة الوسطى. وهدف مهم للاصلاح الاقتصادي يجب أن يكون في مجال خلق ثقافة تشغيلية شفافة ومعقولة ومنافسة.
 
1. 5.    الإصلاح السياسي
يجب أن يؤدي الإصلاح إلى تغيير نظام الحكم من ديكتاتوري إلى ديموقراطي. وعنصر مهم في تنفيذ الإصلاح السياسي في هذا المجال هو الإصلاح التعليمي المؤدي لخلق قيم ديموقراطية. وتضم عملية الإصلاح السياسي وسائل إعلام للمساهمة في زرع هذه القيم. وفي إطار الإصلاح يجب التطلع إلى تعزيز فئة من الفلسطينيين المستعدين لطرح أفكار تقدس الحياة ولا تقدس الموت، وتعمل على انتشار الحرية وحقوق الانسان وليس القمع، ونشر الديموقراطية وليس الديكتاتورية.
وعلى الإصلاح الاقتصادي أن يتضمن بناء مؤسسات لتعزيز النظام الديموقراطي، وتشجيع تأسيس الجمعيات غير الحكومية (NGOS) وتعزيز عناصر المجتمع المدني. وزرع وتطبيق قيم ديموقراطية مثل حرية التعبير والصحافة الحرة وحقوق الإنسان، وما شابه ذلك.
 
وأنا لا أشارك الذين يقولون أن المجتمع العربي المسلم لا يستطيع الانتقال إلى الديموقراطية. ومع ذلك لا أتجاهل التحديات والصعوبات الموجودة. وأعتقد أن مثل هذه المسيرة ممكنة في كل المجتمعات، وبالتأكيد في المجتمع الفلسطيني، الذي جعل قربه من دولة إسرائيل الديموقراطية الأكثر جهازية لمثل هذه المسيرة، مقارنة مع المجتمعات العربية الأخرى. غير أن هذه المسيرة مسيرة طويلة، لكنها ممكنة.
ومن تجربة الماضي، يتبين أن الغرب يميل إلى تفضيل الديكتاتوريات القوية على المسيرات السياسية والتعليمية التي تؤدي لفرض الديموقراطية. وعليه، يجب إضافة الأخطاء التي ارتكبت مثل :الخطأ الأمريكي بامكانية مشاركة حماس في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني، من دون التخلي عن أسلحته ومن دون الموافقة على شروط مسبقة كشرط لمشاركتها في الانتخابات. والخطأ متواصل حول هوية النشطاء الديمقراطيين الحقيقيين “كمعارضي أنظمة الحكم”. ونتيجة لذلك، امتنعت الدول الغربية عن تقديم المساعدة في هذا المجال، والضغط لتنفيذ انتخابات في بداية عملية الدمقرطة، وذلك قبل نضوج المجتمع لذلك.    
وفي نفس السياق تستطيع إسرائيل مساعدة الفلسطينيين كثيرا بتنفيذ الإصلاحات، لإمتلاكها تجارب غنية في وضع قيم ديمقراطية واقتصادية وسياسة السوق الحرة وسيادة القانون والأمن، وألخ. لكن، شبكة العلاقات المعقدة والحساسية بين الطرفين من شأنها أن تجعل الفلسطينيين يطلبون المساعدة من جهة أخرى، غير إسرائيلية. وفي هذه الحالة، على دولة إسرائيل احترام رغبة الفلسطينيين بتفضيل مساعدة من دولة أخرى وعدم إجبارهم على تلاقي مساعدات منها.

والمهمة ،في كل الأحوال، المطلوب من إسرائيل تنفيذها هي حرية الحركة بين التجمعات الفلسطينية في يهودا والسامرة وإلى خارج المنطقة، من أجل السماح بتطبيق الإصلاحات. ومن الواضح أن الوضع الأمني هو الذي سيملي الاعتبارات في هذا المجال. لكن على إسرائيل التطلع لتسويات خاصة، علاوة على البضائع والبشر (مع فحوصات أمنية مجددة) والتخفيف من حرية الحركة على ضوء الوضع الأمني.

موضوع مهم جدا في الاستراتيجية الجديدة يجب أن يركز على إيجاد حل لمشكلة اللاجئين. ولأسباب مختلفة، ليس هذا المكان المناسب لبحثها، حصلت مشكلة اللاجئين الفلسطينيين على مكانة لم يسبق لها مثيل في العالم. ونتيجة لذلك، كانت مشكلة اللاجئين الفلسطينين الذين تركوا/هاجروا/خرجوا/طردوا من بيوتهم خلال الحرب من دون حل. وهم الحالة الوحيدة ،في التاريخ، الذين بقيت مشكلتهم على حالها أكثر من ستين عاما، حتى لو كان حلا جزئيا. ويجب التذكير أن مشاكل لاجئين بحجم أكبر حلت في السابق بنجاح. وقبل ثمانين عاما، وفي أعقاب حرب تركيا واليونان (1919-1921) نقل من مناطق تحت السيطرة التركية أكثر من مليون يوناني للأراضي اليونانية، وسبعمائة ألف تركي من المناطق الخاضعة للسيطرة اليونانية إلى تركيا. أما الباحث النرويجي بريتريوف نانسن (أول من وصل إلى القطب الشمالي) الذي عين لحل مشكلة هؤلاء اللاجئين حصل بفضل مساهمته على إسكانهم من جديد على جائزة نوبل للسلام عام 1922. وبعد الحرب العالمية الثانية تواجد في أوروبا أقل من ثمانية ملايين لاجيء ،على الأقل، فقدوا منازلهم أو طردوا منها. لكن أعيد إسكانهم من جديد دون استثناء. وحتى في أعقاب ثلاثة حروب بين الهند وباكستان (1947، 1965، 1971)  هرب أو طرد الملايين من بيوتهم، وأعيد إسكانهم من جديد في سنوات معدودة.

فقط اللاجئين العرب من عام 1948، وسلالاتهم -الأن الجيل الثالث والرابع منهم يعيشون في مخيمات اللاجئين- الذين لم تحل مشكلتهم منذ ذلك الوقت وحتى اليوم. لماذا ؟. والجواب على ذلك، هو أن الكثير من الجهات العربية لها مصلحة في المحافظة على هذا الوضع وتشجيع استمرار هذه المشكلة، لإستخدامه كسلاح ضد شرعية وجود إسرائيل وضد وجودها كدولة يهودية مستقلة، وذلك من خلال الإصرار على “حق العودة”.

وتكمن المصلحة الإسرائيلية، وكذلك المصلحة الفردية لمعظم اللاجئين في إيجاد حل إنساني لكل لاجئ كفرد بأسرع وقت ممكن. وفي إطار هذا الكتاب، لا انوي البحث في تفصيلات الحلول لإيجاد مثل هذا الحل الإنساني. وأكتفي بعرض ثقتي بأن الأمر قابل للحل والتنفيذ، وإنه يجب التطرق بحل هذه المشكلة في إطار كل الاستراتيجية الجديدة القائمة على إدارة الصراع. وعلى إسرائيل أن تصر على رأيها وأن لا تسمح بعودة ولو لاجئ واحد إلى دولة إسرائيل.

وأنا مقتنع بأن الطريقة التي اقترحتها حسب الاستراتيجية التي رسمتها يمكن أن تنجح، لكنها متعلقة أولا وقبل أي شيئ آخر بالقيادة الفلسطينية الفاشلة حتى هذا اليوم –التي اختارت الفشل برغبتها- في إقامة كيان سياسي مسئول. وإذا لم تتواجد مثل هذه الرغبة في الجانب الفلسطيني للقيام بالإصلاحات المطلوبة -لن تنفذ. وبذلك نفقد احتمال نجاح المسيرة كلها، ويجب عدم اتهام إسرائيل بالفشل.

ومن أجل إقناع قيادة السلطة الفلسطينية بتنفيذ الإصلاحات، على المجتمع الدولي إستخدام “العصا والجزرة” معهم. وعلى إسرائيل المساعدة في هذه المسيرة قدر استطاعتها.

والشرط الإساسي لنجاح الإصلاحات هو تنفيذها بالتوازي !. أي ربط الإصلاح الإقتصادي بإصلاح في الأمن والنظام العام، لأنه من دون إصلاحات في هذا المجال لا يمكن القيام بإصلاحات اقتصادية وتجارية سليمتين. ووجود مليشيات مسلحة يؤدي إلى ابتزاز رجال الأعمال من أجل توفير الأموال للإرهاب. وفي نفس المستوى، لن يحصل أي تقدم طالما أن الجيل الشاب يحصل على تعليم محرض للإرهاب والانتحار ولا يدعو للمصالحة والتسليم بوجود إسرائيل.

وعليه، التجربة الغربية لإيجاد حل يؤكد على الأفق السياسي والتطوير الاقتصادي هي وصفة فشل. وعمليا، يعتبر عودة إلى مسيرة أوسلو الفاشلة مع تجاهل المواقف الفلسطينية الأساسية التي لا تعترف بحق إسرائيل بالوجود كدولة يهودية مستقلة. وتبين أن التفكير الغربي –الذي تبناه إسرائيليون كثر مثل شمعون بيرس في كتابه شرق أوسط جديد- الذي يقول أن التطور الاقتصادي يؤدي للسلام، والسلام يؤدي للأمن، غير فعال وخطير للحلبة الشرق أوسطية.

لمسيرة مثل المطروح غربيا، لا يوجد احتمال بالنجاح، وطالما يرى الفلسطينيين بإمكانية هزيمة إسرائيل. وذلك فهمه قبل عشرات السنوات دافيد بن غوريون وزئيف جابوتنسكي الذي كتب في عام 1923 مقالته المشهورة عن “الحائط الحديدي (نحن والعرب)” الذي كتب فيه :”إما يتوقف الاستيطان في هذه البلاد أو يستمر ضد رغبتهم [السكان العرب]، وحسب ذلك نواصل التطور بواسطة قوة دفاعية، ليست لها علاقة بالسكان المحليين –الجدار الحديدي الذي لن يمكن السكان المحليين من مصادرته”. وطرحت صيغة أخرى ،أكثر وضوحا، من قبل نائب محرر صحيفة “دافار” الدكتور موشيه بييلينسون، في مقال نشره في 23 حزيرران عام 1936 في بداية الأحداث تحت عنوان “إلى متى ؟”. وقد رد على هذا السؤال الذي وصف :”حتى متى نضطر للقتال ؟”. أو بالصيغة التوراتية “من أجل أن تنتصر عليك ابتلاع السيف”. أجاب بيلينسون :”حتى الأكثر إثارة والأكثر جرأة من بين الأعداء، وفي كل معسكرات الأعداء أينما كانوا، عليهم أن يعلموا أنه لا توجد وسيلة لكسر قوة إسرائيل في بلده، لأن ضرورة الحياة وحق الوجود معه، ولا يوجد طريق أخرى للتسليم، وهذا هو طعم المعركة”.

هم أدركوا أن الطريق الطويلة –هي القصيرة. 

وازداد هذا التحدي حدة بعد مؤتمري آنابوليس وباريس، لأنهما عبرا عن خطأ الغرب في تمييز المشكلة وفي تنفيذ الاستراتيجية الخطيرة على دولة إسرائيل. والتي لا تقود باتأكيد إلى الاستقرار والسلام. وذكر المؤرخ الأمريكي الدكتور دانيال بيبييس في مقالة نشرها في الآونة الأخيرة، وخلاصتها هي أن العنف والتطرف الفلسطيني لا تنبع من اليأس (بسبب وضعهم)، كما هو مقبول في الغرب ، بل يعود إلى الأمل بالقضاء على دولة إسرائيل.

وطالما يعتقد الفلسطينيون أن بإمكانهم هزيمة إسرائيل، تقل احتمالات القيام بالإصلاحات المطلوبة التي ذكرتها. لكن يجدر أن نطلب منهم تنفيذها والسماح لهم بالبدء فيها، من دون أن نعرض المصالح الإسرائيلية للخطر. الإنشغال بالتسوية النهائية المرتبطة بتقديم تنازلات إسرائيلية إضافية تغذي الأمل بهزيمة إسرائيل، ولا تخدم فكرة السلام، بل تخدم متطرفي الإسلام الجهادي والحرب.
إلغاء الأمل بهزيمة إسرائيل وتدميرها يشجع بروز أفكار جديدة تتضمن تعاون إقليمي لإستقرار الوضع، خاصة مع الأردن ومصر. لكن العمل العلني بهذه الأفكار في بداية المسيرة يمس مبدأ العمل من “أسفل إلى أعلى” وهو “وضع العجلة قبل الحصان”.

وعلى كل طلب من قبل الفلسطينيين أو الجهات الأخرى للبدء بمفاوضات المرحلة النهائية، وعلى إسرائيل طرح المطالب التالية كشرطين مسبقين هما:

أ‌.       اعتراف الفلسطينيين بحق الشعب اليهودي بحق تقرير المصير (أي حق دولة إسرائيل بالعيش كدولة يهودية).
ب‌.  إثبات من القيادة الفلسطينية بأن لها رغبة وقدرة بالسيطرة وتنفيذ الإصلاحات المذكورة أعلاه.
 
التغيير المقترح في الاستراتيجية –على دولة إسرائيل أن تبادر له. وعليها أن تهيئ الأرضية لهذا التغيير، وتنسيقه وأن تجند لصالحه أصدقاؤها في المنطقة والعالم. وعلى حكومة إسرائيل أن تبدأ في وقت مبكر قدر الإمكان الاستعداد للفشل المتوقع للاستراتيجية الحالية.

والاستراتيجية بعيدة المدى مهمة أيضا لاعتبارات إسرائيلية داخلية. ومحاولات إيجاد حلول فورية بهدف فتح بوابة أمل (فشل رئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرط في مؤتمر هيرتسليا المنعقد في 2006)، تتسبب في توجيه الطاقة الداخلية لمحاولات فاشلة مسبقا، بدلا من استمرار الاستثمار في اتجاهات أخرى لها احتمال بالنجاح.

هذه هي طريق طويلة – لكنها حسب رأيي هي الطريق الأقصر. 

وفيما يتعلق بالمؤيدين للإنسحاب إلى حدود عام 1967 بما في ذلك القاطنون في يهودا والسامرة، يستخدمون مبررا لذلك العامل الديموغرافي (من ضمن عوامل أخرى). ويقولون أن عدم الفصل عن الفلسطينيين وعن يهودا والسامرة من شأنه خلق دولة ثنائية القومية.

وأنا أشاركهم هذا الخوف. وهناك جهات في العالم وفي أوساط عرب إسرائيل يطالبون بهذا التوجه. أي إقامة دولة واحدة وديموقراطية من البحر إلى النهر يعيش فيها اليهود والعرب من دون تحديد للهوية القومية، تتقاسم فيها القوة السياسة وفق أصوات المقترعين. ومن المفهوم أن هذا الطرح يضع حدا للدولة اليهودية. وأعار       ض هذا الطرح لسببين هما:

أ‌. من المهم لي أن يكون للشعب اليهودي بيت وطني، أي دولة يهودية، أستطيع العيش بها حياة يهودية بحرية وأمن، من دون تهديد إسلامي أو غير ذلك.
ب‌.  أريد الحياة في دولة ديمقراطية، وإذا لم تكن دولة إسرائيل دولة يهودية، فإنها لن تكون ديمقراطية !.
 
ولكل المنادين بالفصل عن الفلسطينيين أقول لهم أنني موافق على طرحهم، فإنا لا أريد السيطرة على حياة الفلسطينيين. وقد انفصلنا عنهم في مجالات معينة. والانفصال عن الفلسطينيين لا يعني بالضرورة الانسحاب من يهودا والسامرة. والحوار العام في إسرائيل يبرز وجهتي نظر للحل هما :دولتين لشعبين وفق حدود عام 1967 بشكل أو بآخر، أو دولة واحدة –في حدود أرض إسرائيل. وعند الكثيرين أصبح الانطباع بأن هذين  هما الحلين الوحيدان، لكن ذلك غير صحيح.

ولو كان هناك رغبة في الجانب الفلسطيني لكان بالإمكان التوصل على سبيل المثال لفصل سياسي وتقاسم وظيفي بين اليهود والعرب في كل أرض إسرائيل. وفي هذا الإطار لتمكن العرب واليهود العيش في الأماكن التي يعيشون فيها الأن (العرب: جنين نابلس وتل أبيب-يافا والجليل وما شابه ذلك. أما اليهود لعاشوا في تل أبيب-يافا الجليل وبيت إيل والخليل وما شابه ذلك). ولكان لكل قومية مؤسساتها الوطنية. ولصوت العربي في الجليل مع العربي من نابلس في البرلمان العربي، ولصوت اليهودي من بيت إيل مع اليهودي من تل أبيب للكنيست اليهودي. إثر ذلك يختار البرلمانيين حكومتان. ومن الواضح أن مثل هذا النوع من التسويات يتطلب تسويات مفصلة –في مجالات الأراضي والاقتصاد والأمن، وما شابه ذلك بين الحكومتين يعتمد في الأساس على اتفاق في مسألة الصلاحيات بينهما ومستوى التنسيق. ذلك ليس نموذجا واحدا على إمكانية حل الصراع –فقط إذا توفرت الاستعدادات للحل. وأنا أعرف جيدا وفي ظل الظروف السائدة حاليا، فإن احتمال أن امكانية موافقة العرب واليهود على مثل هذا الحل ضعيفة. لكن مجرد طرحه، مع اقتراحات أخرى يساهم في الحل، وربما مجرد وجود مثل هذا الاتفاق سيغير الجو وسيساهم في التقدم استعدادا للحل.   

وحسب رأيي، فإن التجربة بأن نحدد اليوم أي حل هو مثل الذي “يضع العجلة قبل أن يحضر الحصان”. وفي الوضع الحالي يجب تعزيز الفصل بيننا وبين الفلسطينيين من دون أن نتزحزح ولو سنتيمتر واحد. وتعزيز الفصل يتضمن الانفصال الكلي عن قطاع غزة، مع فتح معبر بين مصر والقطاع، وتعزيز السلطة الفلسطينية في يهودا والسامرة من خلال القيام بعمليات الإصلاح في المجالات الخمسة التي ذكرتها. وبذلك يعزز الحكم الذاتي الفلسطيني في مناطق A وB  ويخلق فصل سياسي كامل. كذلك ينفذ الفصل في مجال الخدمات البلدية والخدمات المدنية، من دون أي تواصل إقليمي للفلسطينيين. وبخصوص الفصل الأمني فإن ذلك يتعلق بالفلسطينيين :إذا حاربوا الإرهاب بطريقة ناجعة، فإن الجيش الإسرائيلي لن يضطر للدخول إلى مناطق A .

ويجب على حكومة الأردن أن تكون مشاركة في كل إمكانيات الحل في يهودا والسامرة. وحسب معلوماتي وفهمي، فإن وجود حماستان في يهودا والسامرة ليس مصلحة أردنية. بل العكس، ترى حكومة الأردن بوجود كيان غير مستقر في يهودا والسامرة تهديد لها، وتفضل أن تكون حدودها مع إسرائيل، وليس مع كيان آخر. وبهذا التفكير للأردن وإسرائيل مصالح مشتركة، تمكن من التفكير في اتجاهات مختلفة حول التدخل وعلاقة المملكة الأردنية بعرب يهودا والسامرة. وأوكد في هذا المجال، أن هناك خيارات متعددة، لن أطرحها في هذا الكتاب. وكا هو واضح لي يجب أن يكون واضحا للقيادة والجمهور الإسرائيلي أن الشروط الحالية ،العودة لحدود عام 1967 هي خطر على دولة إسرائيل. وعليه، يجب المبادرة وتشجيع خيارات أخرى تخدم المصالح الإسرائيلية والاستقرار في المنطقة.

لكن وفي الوقت الذي تكون فيه المشكلة الفلسطينية هي مشكلة قابلة للحل، أو على الأقل أن تتضمن، بالتعاون مع جهات خارجية، حلا. تبقى مشكلة العلاقات الداخلية ،الأغلبية اليهودية مع الأقلية العربية التي تعيش في إسرائيل تتطلب حلها من قبلنا.
وعلى ضوء رغبة الأغلبية اليهودية التي تعيش في دولة إسرائيل بالاستمرار بوجود البيت اليهودي الذي يحكمه نظام ديمقراطي، مطلوب من الذين يرغبون باستمرار وجود البيت اليهودي البحث في المسألة الديموغرافية. وفي ظل الوضع الحالي، الفصل السياسي بيننا وبين الفلسطينيين الذين يعيشون في يهودا والسامرة وغزة، يوجد تحدي ديموغرافي داخل إسرائيل بين الأغلبية اليهودية (80%) وبين الأقلية العربية (20%) ومعظمهم عرب.

وهناك اليوم من يدعي أن إسرائيل لا يمكن أن تكون يهودية وديمقراطية بسب عدم منح عرب إسرائيل تعبيرات وطنية. وأنا اختلف مع هؤلاء. فشرط أن تكون إسرائيل دولة ديمقراطية هي وجود أغلبية يهودية وهذا هو تحدي للأغلبية اليهودية، والحفاظ على الأغلبية يتطلب زيادة الهجرة وزيادة نسبة الولادة. وطالما تمت المحافظة على الأغلبية اليهودية، يمكن المحافظة على الطابع اليهودي للدولة، ويمنح الأقلية فيها الحقوق المدنية الكاملة، وحرية والثقافة والدين، لكن يتم ذلك من دون حقوق وطنية. والعربي الذي يتطلع إلى التوجهات القومية يستطيع أن يشبع توجهاته الوطنية في 22 دولة عربية في الشرق الأوسط.

وكضابط في الجيش شاهدت مشكلة الأقليات الذين يخدمون في الجيش الإسرائيلي :دروز وشركس وبدو وعرب (مسلمين ومسيحيين) وآخرين ليسوا بيهود. وكان الدروز والشركس يختلفون عن الآخرين، الأمر الذي فرض عليهم التجنيد الإجباري حسب القانون الذي يسري على كل يهودي. وتكاليف التجنيد في أوساط أبناء الطائفتين عالية جدا، وربما أعلى من تكاليف التجنيد للشاب اليهودي (خاصة بسبب إعفاء تلاميذ المدارس الدينية من التجنيد). وعلى بقية أبناء الأقليات لا يسري قانون التجنيد الإجباري. رغم ذلك هناك متطوعين للخدمة في الجيش الإسرائيلي. واعتقد أنه يجب أن يفرض التجنيد الإجباري عليهم. لكن من المهم أن نبدأ معهم في مسار التجنيد المدني البديل. ومع ذلك أوكد، أنه وعلى عكس الآراء المسموعة في أوساطنا، أنه يجب اشتراط منح الحقوق للأقليات في المساواة بالواجبات (مثل التجنيد أو الخدمة الوطنية) بل نطلب منهم واجب الإخلاص لدولة إسرائيل.

وازدادت المشكلة مع الأقلية العربية في إسرائيل حدة بعد ازدياد اليقظة الوطنية في صفوفهم. وعبر عن ذلك في الوثائق الأربعة التي نشرت من قبل أوساط عرب إسرائيل في العامين الماضيين، أبرزها وثيقة حلم عرب إسرائيل. وذكر في هذه الوثيقة التي كتبت ورعيت من قبل لجنة المتابعة العربية (الجسم القيادي الذي يتمتع بصلاحيات عليا في أوساط عرب إسرائيل).  وفي أحد هذه الوثائق طرحت تحديات علنية وواضحة حول حق الشعب اليهودي في بيت قومي في أرض إسرائيل. وذكرت الوثيقة أن كل سكان دولة إسرائيل اليهود معرفين كمستعمرين، بينما عرف العرب على أنهم سكان البلاد أصحاب الحق في هذه البلاد. كذلك طالب عرب إسرائيل في وثائقهم بحرية التعبير عن انتمائهم القومي العربي-الفلسطيني. وبذلك انضمت الجهات العربية إلى جهات أخرى رافضة لفكرة الدولة اليهودية وتتجاهل الحقوق اليهودية في أرض إسرائيل، وكذلك الحقوق السياسية النابعة من قرارات عصبة الأمم والأمم المتحدة، بدءا من مؤتمر سان ريمو في عام 1920 (الذي منح بريطانيا حق الانتداب على أرض إسرائيل، وتبني وعد بلفور الملزم بإقامة بيت قومي للشعب اليهودي في أرض إسرائيل) وحتى اليوم.

وهناك من يحاول أن يرفض فكرة الدولة اليهودية اعتمادا على أن الدولة لا تستطيع الاعتماد على الدين. وسمع هذا الإدعاء من قبل قادة فلسطينيين من المحسوبين على التيار المعتدل، مثل أبو مازن وصائب عريقات، عندما أوضحا عن رفضهما لأن يشمل البيان المشترك ،بعد انتهاء مؤتمر آنابوليس، موافقة الطرفين على حل النزاع في إطار “دولتين لشعبين”. ورفض الفلسطينيين كلمة “شعبين” لأنهم اعتبروا ذلك اعترافا بحق الشعب اليهودي في دولة، وهم لا يعترفون بهذا الحق، لأن اليهودية هي دين، وليس شعب”. وهذا الإدعاء باطل من أساسه. فخلال ألاف السنين تبلور وتطور وحوفظ على اليهودية كدامج خاص بين الدين والقومية والحضارة (حتى بمفهوم culture وأضا بمفهوم الحضارة وبالمفهوم الشعبي People hood .

وفي تحديد شبكة علاقات دولة إسرائيل كدولة يهودية فيها أغلبية يهودية ويعيش فيها أقلية من عرب إسرائيل، يجب أن يقال بوضوح :يحصل العرب على حقوق مدنية وحرية ثقافية ودينية، لكن لن يعترف بهم كأقلية قومية. ويجب أن يقال بوضوح وأن يرافق ذلك سياسات وأعمال توضح جوهر الموقف المطروح لعرب إسرائيل. وعندما تجاهلت حكومات إسرائيل والمؤسسات التنفيذية التابعة لها من ظاهرة عربي إسرائيلي (أحمد الطيبي) أن يكون مستشارا لرئيس جسم سياسي معادي (عرفات)، خلقنا حالة من البلبلة في أوساط السكان العرب. كذلك حدث عندما اختارت محكمة العدل العليا عدم اتخاذ إجراءات ضد عضو كنيست (عزمي بشارة) الذي هاجم في خطاباته مجرد حق الوجود لإسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية. محو الحدود هذا يربك الجمهور العربي الذي يعيش في البلاد وبداخله الكثيرون (الذي يشكلون حسب اعتقادي الأغلبية الصامتة) والذي يفضلون البقاء في دولة يهودية كأقلية مخلصة لهذه الدولة.

وكرئيس لهيئة الأركان وعندما كنت أتوجه لتعزية العائلات من كل الطوائف، قال لي والد (عائلة عربية مسلمة) قتل أبنه في الحرب ضد الإرهاب الفلسطيني القادم من غزة :”أنني أرسلت إبني للخدمة في الجيش الإسرائيلي لأنني قررت أن أعيش في دولة إسرائيل وأن أكون مخلصا لها”. واعتقد أن هذه الأقوال تعبر عن تطلع الكثيرين، لكن بسبب الجو السائد، يتجرأ القليلون على قول ذلك بالعلن. والمسئولية عن ذلك ملقاة على عاتق الأغلبية اليهودية التي رفضت وضع حدود واضحة بين التيارات العربية-الوطنية وبين الإسلام التي يربك كل السكان. وعلى دولة إسرائيل أن تضع هذه الحدود في قوانين وأعمال توضح بصورة قاطعة أن “سلم قيمنا ،بحكم أننا نطالب بدولة يهودية وديمقراطية، تأمرنا باحتضان الأقليات (الجار والساكن) الذين يعيشون في أوساطنا، طالما كانوا مخلصين للدولة ولا يشكلون لها أي تهديد.

 

* --- - ---



الإسم
البريد الإلكتروني
التعليق
رمز الأمان

26 اّذار 2017   طبول حرب تُقرع بكاتم صوت..! - بقلم: د. سفيان أبو زايدة

26 اّذار 2017   توقيت اغتيال الشهيد فقها - بقلم: خالد معالي

26 اّذار 2017   قمة الاردن واستعادة الموقف العربي..! - بقلم: د. هاني العقاد

26 اّذار 2017   محظورات خطرة..! - بقلم: د. مصطفى البرغوتي

26 اّذار 2017   رسالة الى الكاتب الرفيق الياس نصرالله - بقلم: زاهد عزت حرش

26 اّذار 2017   نظام المصلحة العربية المشتركة وفلسطين..! - بقلم: د. عبد الرحيم جاموس

25 اّذار 2017   القمة والطموح العربي..! - بقلم: عمر حلمي الغول

25 اّذار 2017   رسالة بدماء الفقهاء..! - بقلم: فارس الصرفندي

25 اّذار 2017   استقاء العبر من اغتيال الشهيد فقها..! - بقلم: خالد معالي

25 اّذار 2017   الحرب على شعبنا بغرض التصفية والتبديد..! - بقلم: راسم عبيدات


24 اّذار 2017   الثوابت الفلسطينية..! - بقلم: عمر حلمي الغول

24 اّذار 2017   الهندسة الديمغرافية وأشكال الفصل العنصري..! - بقلم: سليمان ابو ارشيد

24 اّذار 2017   شجاعة ريما خلف وتقاعس المسؤولين العرب..! - بقلم: محمد خضر قرش

24 اّذار 2017   ماذا إذا خاف رئيس الموساد؟! - بقلم: جواد بولس



6 كانون أول 2016   نيلسون مانديلا: حضورٌ يقهرُ الغياب..! - بقلم: بسام الكعبي


3 كانون أول 2016   عادل الأسطة: ناقد لامع ومحاضر بارع..! - بقلم: بسام الكعبي

13 تشرين ثاني 2016   الجريحة داليا نصار تقرأ مسيرة أم وديع بشغف لتنتصر - بقلم: بسام الكعبي







27 اّذار 2011   عداد الدفع المسبق خال من المشاعر الإنسانية..!! - بقلم: محمد أبو علان

13 شباط 2011   سقط مبارك فعادت لنا الحياة - بقلم: خالد الشرقاوي

4 شباط 2011   لا مستحيل..!! - بقلم: جودت راشد الشويكي


18 شباط 2017   نص أدبي: هلوساتُ عاشقة..! - بقلم: محمود كعوش

2 شباط 2017   أشتاقُكَ وأنتظرُ منكَ سلاماً..! - بقلم: محمود كعوش

24 كانون ثاني 2017   للحوارُ بقية قد تأتي لاحقاً..! - بقلم: محمود كعوش

23 كانون ثاني 2017   مناقشة قصة "رسول الإله إلى الحبيبة" في دار الفاروق - بقلم: رائد الحواري

20 كانون ثاني 2017   من أخطاء الكُتّاب الشّائعة: مسكينةٌ يا باءَ الجرّ..! - بقلم: فراس حج محمد


8 كانون ثاني 2011   "صحافة المواطن" نافذة للأشخاص ذوي الاعاقة - بقلم: صدقي موسى

10 تشرين ثاني 2010   رساله .. - بقلم: جودت راشد الشويكي

3 تشرين ثاني 2010   شخبطة صحفية - بقلم: حسناء الرنتيسي

27 تشرين أول 2010   المدلل .. - بقلم: جودت راشد الشويكي

21 تشرين أول 2010   فضفضة مواطنية - بقلم: حسناء الرنتيسي


4 اّذار 2012   الطقش


26 كانون ثاني 2012   امرأة في الجفتلك



 
 
 
top

English | الصفحة الرئيسية | كاريكاتير | صحف ومجلات | أخبار وتقارير | اّراء حرة | الإرشيف | صوتيات | صحفيون وكتاب | راسلنا

جميع الحقوق محفوظة © لشبكة  أمين الأعلامية 2017- 1996 
تصميم وتطوير شبكة أمين الأعلامية