9 August 2018   “The Right Of Return”—To Where? - By: Alon Ben-Meir

9 August 2018   Jared Kushner’s UNRWA blunder - By: Daoud Kuttab


3 August 2018   Uri Avnery: Who the Hell Are We? - By: Uri Avnery

2 August 2018   The Druze dilemma - By: Daoud Kuttab


27 July 2018   Uri Avnery: Adolf and Amin - By: Uri Avnery

26 July 2018   The Law Of Shame That Defies Jewish Values - By: Alon Ben-Meir

26 July 2018   Gaza, Hamas and Trump’s Zionists - By: Daoud Kuttab


20 July 2018   Uri Avnery: The March of Folly - By: Uri Avnery















5 أيلول 2015   "من الأزل".. آخر كتب الراحل جونتر جراس - بقلم: المركز الألماني للإعلام (ألمانيا إنفو/ almania info)

31 تموز 2018

إستراتيجية المقاومة في النضال الغزي الفلسطيني


بقلم: د. منذر سليم عبد اللطيف
طباعة     إرسال في البريد الإلكتروني

لا شك أن نشأة المقاومة في تاريخ الثورة الفلسطينية الحديثة قد تزامن مع بدايات الهجمة الصهيونية الشرسة على فلسطين، وقد تصاعدت المقاومة بعد إعلان قرار التقسيم، الذي على أساسه قامت دولة الاحتلال. وكانت المقاومة قد اتخذت أشكالاً تقليدية في تلك المرحلة، تمثلت في الهجوم على الجنود الصهاينة، في المعسكرات والمستوطنات والنقاط العسكرية المنتشرة على الطرق، بالإضافة إلى مهاجمة بعض الأهداف الإستراتيجية للاحتلال، مثل مخازن الأسلحة، وقوافل الإمدادات، وغيرها. وقد استمرت المواجهات والمناوشات (باستثناء دخول الجيوش العربية عام 1948)، حتى بدايات مشروع إنشاء حركة "فتح" أواخر خمسينيات القرن الماضي. أما بعد العدوان الثلاثي على مصر، فقد أسفرت شروط وقف إطلاق النار عن تحجيم العمل المسلح انطلاقاً من غزة (وأيضاً بسبب ملاحقة نظام الرئيس عبد الناصر لعناصر جماعة الإخوان المسلمين في القطاع)، بينما تم إلحاق الضفة الغربية بالأردن مطلع الخمسينيات. وبشكل عام، يمكن القول أن العمل المقاوم كان محدوداً للغاية في الفترة من إعلان الهدنة المعروفة عام 1949 وحتى انطلاق حركة فتح رسمياً مطلع العام 1965.

ومع انطلاق حركة "فتح" عسكرياً، بدأت الساحة تعج بالعمليات العسكرية انطلاقاً من نقاط متعددة، داخل وخارج فلسطين باتجاه جنود الاحتلال والمستوطنين، وإن كانت بوتيرة وشدة لا تتناسب وعملية التحرير المقصودة، نظراً لضعف الإمكانات العسكرية واللوجستية. ومن المعتقد أن حركة "فتح" تحديداً (قائدة العمل العسكري في حينه) كانت تفهم ذلك تماماً، وأن غرضها الأساسي من تلك العمليات إنما تمثل في إعادة الاعتبار للقضية الوطنية الفلسطينية، إلى جانب إحراج أنظمة الحكم في الدول العربية (وبالذات دول الطوق) لدفعها إلى شن الحرب على إسرائيل، والقضاء عليها تماماً.

أما بعد خسارة العرب للحرب في عام 1967، فقد نشطت المنظمات الفلسطينية بشكل واسع، وتحسنت إمكاناتها بصورة ملموسة، فقامت بالعديد من العمليات العسكرية انطلاقاً من الضفة وغزة ودول الطوق، وشاركت بفعالية في حرب الكرامة. ومع انطلاقة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (1967، امتداداً لحركة القوميين العرب)، فقد بدأت العمليات العسكرية في تجاوز حدود فلسطين، حيث ظهرت سلسلة من عمليات اختطاف الطائرات (معظمها خلال السبعينيات) التي ارتبطت بشكل كبير بالجبهة الشعبية (أولها في يوليو 68)، إضافة إلى عملية ميونيخ الشهيرة التي نفذتها "فتح" في عام 1972.

وباستثناء عملية الساحل الشهيرة التي نفذتها "فتح" بقيادة المناضلة ليلى المغربي في عام 1978، وعملية الطائرات الشراعية في العام 1987 (نفذتها الجبهة الشعبية-القيادة العامة)، لم تكن هناك عمليات نوعية كبيرة تم تنفيذها على الأرض الفلسطينية، ويمكن أن نعزو ذلك إلى القيود المفروضة على المنظمات الفلسطينية، خاصة بعد الخروج من بيروت، وغياب القدرة التنظيمية بسبب المناخ السياسي الذي أحاط بحدود فلسطين مع الأردن وسوريا ولبنان ومصر.

وفي ديسمبر 1987 انطلقت الانتفاضة الفلسطينية، حيث كان الحجر هو السلاح المعتمد، ربما لأن ذلك كان كفيلاً بجعل الانتفاضة عملاً شعبياً تشارك فيه كافة شرائح المجتمع الفلسطيني. لكن لا شك أنه كانت هناك أسباب وحسابات أخرى، حيث حرصت القيادة الفلسطينية الرسمية على استغلال الانتفاضة الشعبية للعودة إلى واجهة الصراع المباشر والفاعل، وصولاً إلى عملية سياسية، رأت أنه لا بد منها، (حيث ترسخت القناعة لديها بعدم القدرة على حسم الصراع عسكرياً ضمن الظروف المتاحة، واختلال موازين القوى، وتشتت سلاح المقاومة بعيداً عن أرض المعركة)، وهو ما تحقق بالفعل بعد إعلان الاستقلال وما تبعه من مفاوضات سرية، أنتجت فيما بعد اتفاق أوسلو.

لقد أيقنت القيادة الفلسطينية الرسمية منذ سبعينيات القرن الماضي أن العمل العسكري لا يمكن أن يقود إلى التحرير ضمن الظروف المتاحة، وأنه مجرد وسيلة وورقة ضغط سياسية، ومظلة يمكن من خلالها الوصول إلى نقطة ارتكاز يتم عندها إجبار المحتل من جهة، والمجتمع الدولي من جهة أخرى، على تحريك الملف الفلسطيني، وصولاً إلى الحل السياسي المنشود (ولو مرحلياً). ليس هذا فقط، بل انعكست تلك القناعات واقعاً ملموساً، حيث تغيرت الأدوات المستخدمة في النضال الفلسطيني بشكل لافت، بعد أن ثبت - بما لا يدع مجالاً للشك - أن نتائج عمليات خطف الطائرات، ومهاجمة السفارات ومصالح الدول المؤيدة لإسرائيل، بالرغم من أنها بعثت الأمل في نفوس الشعب الفلسطيني، إلا أنها أدت إلى نتائج سياسية عكسية، حيث أصبحت التنظيمات التي تقوم بمثل تلك الأعمال موسومة بالإرهاب، وتمت محاربتها، وهذا بدوره أضر بالعمل الوطني، وتسبب بآثار سلبية، على رأسها تشويه الحق الفلسطيني وروايته، والتضييق عليه أينما وجد، وبالتالي كان بديهياً أن تتخلى تلك التنظيمات عن ممارسة تكتيكات من هذا العيار. أضف إلى ذلك أيضاً، اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بالقرارات الأممية 242 و338، وحصولها على اعتراف الأمم المتحدة ممثلاً شرعياً للشعب الفلسطيني، وبعد ذلك قبولها إقامة الدولة الفلسطينية على حدود عام 1967، ومن ثم اعترافها بدولة إسرائيل، مع كل ما يعنيه ذلك من التزامات وقيود..!

إن هذا التحول في الفكر والممارسة السياسية أدى باختصار إلى إعادة صياغة فلسفة الصراع مع المحتل بحيث أصبح صراعاً على الحدود، لا صراعاً على الوجود، كما كان سابقاً في أدبيات التنظيمات الفلسطينية المسلحة، بل وفي وجدان الشعب الفلسطيني أيضاً. إن توصيف الصراع على هذه الصورة يقر ويعترف بوجود "شعب مدني إسرائيلي" يعيش على "أرض إسرائيلية"، وعليه فإن مهاجمة أولئك "المدنيين" أو مصالحهم على "أرضهم" يعتبر إرهاباً من وجهة نظر القانون الدولي، وعليه فإن المنطق السياسي اقتضى استخدام الحركة الوطنية الفلسطينية الرسمية أدوات وأساليب نضالية تتوافق مع هذا الفهم، وتتجنب استهداف "المدنيين الإسرائيليين"، وبالتالي يغلب عليها الطابع السياسي..!

ومع صعود نجم حركتي "حماس" والجهاد الإسلامي منتصف التسعينيات، بادرت الحركتان إلى شن عدد كبير من العمليات العسكرية العنيفة والمؤثرة، إلا أن الفلسفة التي خلصت إليها التجربة التاريخية للتنظيمات الفلسطينية المنضوية تحت لواء منظمة التحرير حول طبيعة الأهداف الممكنة لم تكن حاضرة في وجدان الحركتين، (لأنهما - في حينه - كانتا تنظران إلى فلسطين التاريخية، ولا تقبلان بفكرة وجود إسرائيل)، فكانت هناك الكثير من "العمليات الاستشهادية" في الأرض المحتلة عام 1948، التي لم تقتصر على الأهداف العسكرية فقط، بل تم خلالها أيضاً تفجير الحافلات العامة،  والهجوم على تجمعات من السكان الإسرائيليين "المدنيين" في المطاعم والأسواق وغيرها، (والغريب أن بعض التنظيمات الفلسطينية التقليدية حاولت مجاراة ذلك، نظراً لما لاقته تلك الهجمات من شعبية، بالرغم من إدانة القيادة الرسمية لتلك العمليات)، وعليه فقد تم اتهام حركتي "حماس" والجهاد الإسلامي بالإرهاب، ولا تزال دولٌ عديدة تحاربهما، وكأن التاريخ يعيد نفسه، ويؤكد مرة أخرى ضرورة استفادة حركات المقاومة من تجاربها المتراكمة، وإدراك طبيعة المواجهة المقبولة واقعياً وقانونياً، حيث تأكد أن العالم بمجمله – بما في ذلك أصدقاء الشعب الفلسطيني - لا يقبل اعتبار استهداف وقتل "المدنيين" الإسرائيليين عملاً نضالياً ومقاومة مشروعة، يقوم بها شعب مظلوم لنيل حريته.

إن القبول بالنظرية القائلة – والتي اعتمدتها القيادة الفلسطينية الرسمية والمؤيَدَة بالقرارات الدولية - أن حل الصراع يجب أن يرتكز إلى مسار سياسي قائم على أساس حل الدولتين، وما تقدم من اعتراف منظمة التحرير رسمياً بدولة الاحتلال، لا بد (شئنا أم أبينا) أن يرتبط أيضاً باعتراف الفلسطينيين بوجود "مدنيين" إسرائيليين، وبالتالي لا يمكن شرعنة استهدافهم بحسب القانون الدولي الإنساني، وعليه فإن الأدوات النضالية بشكل عام لا بد أن تستجيب لتلك المعايير. وهذا يأخذنا مباشرة إلى عمليات إطلاق الصواريخ على ما يعرف بمستوطنات غلاف غزة، وأيضاً (وإن كان بدرجة أقل) الطائرات الورقية والبالونات الحارقة وما شابهها، والتي يمكن المجادلة بقوة أنها لا تستهدف العسكريين على وجه الخصوص، وأنها قد تكون موجهة بشكل مباشر ضد "المدنيين" الإسرائيليين وممتلكاتهم ومصالحهم "على أرض إسرائيل" المعترف بها دولياً، وهو ما تكرر اعتباره مخالفاً للقانون الدولي، وبالتالي اعتبره العالم "إرهاباً" وعنفاً ضد "مدنيين" (كما أوضحت مناقشات مجلس الأمن بهذا الخصوص، وبالرغم من التعاطف الواضح لدول العالم مع قضيتنا وتأييدهم لحقوقنا)، وبالتالي طالبوا بوقفه. بالطبع، هذا لا يعني أن القانون الدولي لا يبيح لنا الدفاع عن أنفسنا، لكن من البديهي أن أدوات العمل المقاوم لا بد أن تنسجم مع المرحلة النضالية، والظروف الواقعية، وأن تستجيب لأساسيات ذلك القانون، ما أمكن. ففي حالة الحرب، من الممكن لمعظم دول العالم تفهم استخدام كل عناصر القوة المتاحة (بالذات من ناحية الطرف الأضعف) للدفاع عن النفس، وصد العدوان، في حين أن بعض تلك الأدوات قد لا يكون مقبولاً ضمن ظروف أخرى.

إن مما لا شك فيه أن ميزان القوى يميل بشدة إلى جانب المحتل، المتقدم بشكل كبير للغاية في النواحي العسكرية بكافة أشكالها، وبالذات فيما يتعلق بقدراته التدميرية، وأسلحته الذكية، وكفاءته التقنية. لذلك من المهم دراسة الآليات والتكتيكات التي يمكن استخدامها لتحييد هذا التفوق الملموس على المقاومة في تلك الجوانب.

إن ردود أفعال المحتل على أبسط أعمال المقاومة الغزية المسلحة، مثل قنص أحد جنوده، أو قصف أحدى آلياته أو بعض مواقعه، لا يتناسب مطلقاً مع الثمن الذي تدفعه المقاومة والمواطن الغزي، من وجهة نظر كثيرين. وبالرغم من التزام المقاومة بالتهدئة في السنوات الأخيرة، فقد رأينا أنه عند مباشرة التنظيمات الفلسطينية القيام بأي فعل عسكري محدود، فإن النتيجة تكون على الفور قتل بعض المقاومين، وتدمير العديد من المواقع والتجهيزات، التي كلفت المقاومة الكثير من الأموال، والجهد الكبير في نقلها إلى القطاع المحاصر، وكذلك تخريب ممتلكات المواطنين المدنيين القريبة من تلك المواقع، إضافة إلى تشديد الحصار المفروض على القطاع، والتهديد بحرب شرسة ومدمرة. ومن المعتقد أن ردة فعل الاحتلال القاسية ترتبط بكون غزة لا تخضع لسيطرته الأمنية، وبالتالي فهو لا يمتلك القدرة على التحرك الميداني الحر على أرضها، بخلاف الحال في الضفة المحتلة، إضافة إلى رغبته الدائمة وحرصه المستمر على إظهار تفوقه الكبير، وقدرته على "الردع"، أملاً في تخويف ولجم المقاومة، وجعل الثمن الذي تدفعه عالياً، لا يمكن تَحَمُّلُه. نعم، لعل البعض يعجبهم الفعل بغض النظر عن الثمن، لكن لا بد من التفكير جيداً، وأن تسأل المقاومة نفسها: هل يمكن أن يؤثر ذلك إيجاباً أم سلباً على مشروعنا الوطني التحرري واستمرار النضال على المدى المتوسط والبعيد، في ظل الحصار والتضييق، إضافة إلى غياب القدرة على امتلاك التقنيات والإمكانات العسكرية المطلوبة في حالة المواجهة الشاملة؟

وفي هذا السياق أيضاً، من الضروري الإجابة على التساؤل التالي: ضمن إمكانات وقدرات المحتل المعروفة، هل من الحكمة أن تقوم المقاومة باتخاذ مقرات ومواقع وقيادات ظاهرة ومكشوفة للمحتل؟ ولعل الإجابة على هذا السؤال بسيطة وبديهية بعد التجربة التي خاضتها المقاومة بهذا الخصوص، حيث يمكن القول بكل اطمئنان أن أي حركة تحرر لا يجوز أن يكون لديها مقرات ظاهرة، أو مواقع عسكرية ثابتة، أو قيادات وهيئات مكاتب معروفة (أو حتى أن تشارك قياداتها بشكل مباشر في أي انتخابات سياسية على أرض لا يمكن حمايتها من المحتل)، هذا إن كان هدفها تحرير الأرض وطرد الاحتلال، ببساطة لأن كل ذلك إنما يعتبر أهدافاً سهلة ومحددة سلفاً، وجوائز مجانية تقدمها المقاومة للمحتل. أما وجود تلك المقرات والمواقع والقيادات المتسلسلة المعروفة، فلا يمكن فهمه إلا على أساس أن تلك التنظيمات إنما تعيش حالة من الهدنة أو التصالح، أو أنها تمارس العمل العسكري "المنضبط" كواجهة لعمل سياسي محكوم بمعادلات توافقية واضحة ومضمونة مع المحتل، وعليه لا بد – في هذه الحالة - أن تكون أدواتها النضالية ووسائل المقاومة لديها منسجمة تماماً مع هذا التوصيف (أي مقاومة بلا عنف، وتحت سقف مفاهيم المعادلات والاتفاقات مع المحتل، ومنسجمة مع القانون الدولي)، وإلا فهي كمن تقدم أبناءها قرابين للقتل، وتجهيزاتها وممتلكاتها ومصالح مواطنيها لقمة سائغة للهدم والتخريب، طواعية، عن وعي كامل وسابق إصرار..! إنه بالفعل لأمر مستحدث ومستغرب في ظل إمكانات المحتل، والقدرات الهائلة لآلته العسكرية على القتل والتدمير، وأسلحته الذكية، والكفاءة التنفيذية العالية التي يمتلكها، وأجد أنه لا بد من إعادة النظر في كل تلك التكتيكات، وصناعة الحلول المناسبة. لذلك كان لزاماً على قوى المقاومة تقييم الظروف الموضوعية، واستخدام أدوات مناسبة لتحقيق أهدافها، آخذة بعين الاعتبار الاستفادة مما تقدم، والابتعاد عن ردود الأفعال العاطفية.

ومن المصطلحات الدارجة هذه الأيام أن المقاومة في غزة تعمل ضمن معادلة "القصف بالقصف"، وهو ما يمكن أن يجد قبولاً وتأييداً بشكل لافت، بالذات في القطاع، الذي يمتلك قوة الرد. إن هذه المعادلة تبدو منصفة، لأن أبناء القطاع لا يقبلون إلا أن يردوا الصاع بصاع على الأقل، وهي أيضاً معادلة تبدو مفهومة دولياً. لكن، هل يعني ذلك أنه إذا لم تبادر إسرائيل بالقصف فإن الجبهة الغزية ستكون باردة، وأنه لن يكون هناك عمل مقاوم؟ والسؤال الأهم: ما هي أدوات المقاومة الممكنة في حال استقرار الوضع الأمني على الحدود مع غزة؟ وهل تتجاوز تلك الأدوات أشكال المقاومة الشعبية السلمية؟ إن معادلة "القصف بالقصف" تحتاج إلى إعادة صياغة، بحيث يتم بلورة أدوات مناسبة، تضمن استمرار المقاومة انطلاقاً من القطاع بأساليب مبتكرة، وضوابط وحدود محسوبة، على طريق طرد المحتل عن كامل الأرض المحتلة عام 1967.

وفي هذا السياق لعله من المفيد أيضاً محاولة تقييم المنهجية الإستراتيجية التي تحكم مسيرات العودة على حدود القطاع، تلك المسيرات التي تشكل صورة من صور المقاومة التي برزت على السطح في الأشهر الماضية، والتي - بلا شك - كان لها ايجابيات هامة، في مجال تسليط الضوء على غزة ومعاناة أهلها تحت الحصار، والظلم الواقع عليهم، والمشاكل التي يواجهونها. لكن لا يخفى على أحد أنه نتج عن تلك المسيرات استشهاد أكثر من مائة وخمسين من شباب الوطن، أولئك الشباب الذين سخروا من قوة وجبروت المحتل، وتحدوه بصدورهم العارية دون سلاح، وواجهوا الموت بكل شجاعة، فرفعوا رأس غزة عالياً. كما أدت تلك المسيرات إلى جرح أكثر من خمسة عشر ألفاً من الشباب المقدام، المحب لوطنه والطامح للحرية، حتى تاريخه، إضافة إلى قصف وتدمير عدد كبير من مواقع المقاومة، والتهديد بحرب مدمرة جديدة، تكون أقسى وأشد من سابقاتها. والمطلوب إعادة قراءة المشهد، وتقييم تلك المسيرات بالرجوع إلى ما تقدم من توصيف، وإمعان النظر والتفكير في آليات أخرى، أكثر تناسباً ومرونة، تحكم وتضبط تلك المسيرات، وتأخذ بعين الاعتبار طبيعة الأهداف التي ترغب المقاومة في تحقيقها في هذه المنطقة الجغرافية في الوقت الراهن، (مستفيدة من المعايير والاستراتيجيات التي توصلنا إليها آنفاً)، بينما تقلل الثمن المدفوع بشكل ملحوظ، وبالطبع لا تسمح للأمور بالتدحرج إلى الحد الذي يمكن أن يَفْقِد فيه القطاع حريته أو جزءاً منها..!

لكن، هل معنى ذلك أننا نتحدث عن إلغاء مفهوم المقاومة الغزية المسلحة؟ وما هو دور التنظيمات المقاتلة في مثل هذه الظروف؟ أعتقد أنه من الإنصاف القول أن المقاومة قدمت الكثير من الإنجازات في انتفاضتي 87 والأقصى، واستطاعت دحر الاحتلال عن قطاع غزة، وأجبرته على تفكيك مستوطناته، والهرب تحت جنح الظلام، دون اتفاقات. وعندما أتيحت لها الفرصة قدمت مثلاً رائعاً في الدفاع عن الأرض الفلسطينية في قطاع غزة منذ تحريره، مما جعل الاحتلال عاجزاً عن تحمل الخسائر الناجمة عن استباحة القطاع، وبالتالي لا بد لنا من الاستفادة من هذه الإنجازات والبناء عليها.

ومن المهم هنا التفريق بين أدوات المقاومة في القطاع والضفة، حيث تختلف الظروف الموضوعية في المنطقتين اختلافاً جذرياً في الوقت الحاضر. ففي حين أن الضفة الغربية لا زالت منطقة محتلة ومستباحة من قبل الاحتلال، فإنه من البديهي اعتبار المقاومة فيها واجباً وطنياً، حيث يسمح القانون الدولي باستخدام شتى الوسائل لدحر الاحتلال عن الأرض التي يحتلها. لكن الوضع على ساحة غزة يختلف تماماً، حيث يعتبر القطاع محرراً من الناحية الجغرافية، بحدوده المعروفة قبل حرب 1967. ومن المعلوم أن المقاومة في غزة كانت قد انتهت من تحرير القطاع قبل سنوات عديدة ، كما أن واقع الحال يقرر أن المقاومة لا تسعى إلى زيادة مساحة القطاع شرقاً أو شمالاً، انسجاماً مع حل الدولتين الذي تسعى إليه القيادة الفلسطينية، وقبلته المقاومة من ناحية المبدأ (ولو مرحلياً). وبالتالي من المنطق أن يتمحور اهتمام المقاومة ودورها في القطاع حول تدعيم ونصرة أهلنا في الضفة الغربية بالسائل الممكنة، والمتوافقة مع ما تقدم من استنتاجات، إضافة إلى تحسين شروط فك الاشتباك مع المحتل في القطاع، وكبح محاولاته ممارسة النفوذ فيه وعليه، بما في ذلك الحصار الاقتصادي والسياسي والبحري الذي يفرضه، ومنعه أدوات التطوير والنمو والحياة الكريمة الحرة على أرضه. أيضاً، يجب أن تهتم المقاومة بالتدريب المستمر، والتجهيز المدروس المتواصل، والعمل على تطوير قدراتها الدفاعية، بحيث تمنع المحتل من مجرد التفكير في اجتياح أو إعادة احتلال القطاع أو جزء منه، وبالتأكيد عدم الاستسلام لفرض أي من شروطه عليه. وفي ذات الوقت العمل على دعم إقامة ديمقراطية حقيقية على الأرض المحررة، وترسيخ حالة من الأمن الداخلي وسيادة القانون والحريات، ودعم كافة أشكال التطور والنمو في المجالات الحياتية المختلفة.

ولعله من المفيد التطرق إلى نقطتين هامتين مرتبطتين بموضوعنا، لا بد من أخذهما بعين الاعتبار عند محاولتنا تقييم استنتاجاتنا في الفقرات السابقة: أولاهما، أن قَصْر المقاومة الغزية على الاستمرار في ذات النهج من محاولة اصطياد أحد جنود المحتل، أو ضرب آلية من آلياته، لا يمكن أن يحقق نصراً جديداً، أو اختراقاً جوهرياً، ففي نظر كثيرين أن هذا المحتل يستطيع تحمل الخسائر البشرية والمادية من هذا العيار بشكل كبير للغاية، ولفترات زمنية غير محدودة، آخذين بعين الاعتبار حجم المواجهة اليومية في السنوات الماضية. أضف إلى ذلك أيضا أن تلك النشاطات إن كانت قادرة على إلحاق بعض الأذى والضرر بمنطقة الشريط أو الغلاف، فهي بعيدة كل البعد عن مركز الدولة ومصالحها الحيوية. ولا بد لنا أن نستوعب أن واقع الحال يشير إلى أن سكان غلاف غزة لم يتركوا منازلهم ومصالحهم على الأرض المحتلة في عام 1948 بسبب "المشاكل الأمنية المحدودة" الناتجة عن أعمال المقاومة العسكرية التي استهدفتهم خلال سنوات طوال، ولعلهم تعايشوا معها على أساس أنها من المشكلات الأمنية "العادية" المرتبطة بالحياة في تلك المنطقة (سواء أعجب ذلك المقاومة أم لا)..! مع الأخذ بعين الاعتبار – أيضاً - خسائر الاحتلال المحدودة للغاية على حدود القطاع خلال الأعوام الماضية. وبالتالي، ليس من المتوقع أن تكون هناك مزايا ملموسة إذا استمرت المقاومة بممارسة ذات النهج والأساليب. أضف إلى ذلك ما تعانيه المقاومة في مثل هذه الحال من استنزاف مستمر، يجعل من التطور وامتلاك التقنيات اللازمة للمواجهة الشاملة التي قد تُفرَض عليها مستقبلاً أمراً في غاية الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً. أما النقطة الثانية فتتلخص في الرد الإسرائيلي على ممارسات المقاومة الغزية ذات الطبيعة العسكرية بأشكالها الحالية، حيث من الواضح أن الضربات المتلاحقة التي تتلقاها المقاومة في بنيتها التحتية وتجهيزاتها وعناصرها تجعل من كلفة المقاومة رقماً كبيراً، وثمناً باهظاً، ربما لا يمكن تحمله دون مردود معقول وتعويض مناسب..! وهو بالضبط ما مرت به الكثير من التنظيمات الفلسطينية عبر تاريخها، مما جعل قراراتها – وإن بدت مستقلة – مرتهنة بمصالح وسياسات بعض دول الإقليم، ومن المهم للمقاومة الغزية فهم هذه المعادلة، قبل أن تضيع الكثير من الوقت الثمين.

بالإضافة إلى ذلك، إذا كان حجم الرد الإسرائيلي على أي عمل عسكري ينطلق من غزة عادة ما يكون كبيراً ومبالغاً فيه، وإذا كانت إسرائيل بالفعل تمتلك قدراً هائلاً من القوة التدميرية الذكية، فإن الحكمة تقتضي تحييد ذلك التفوق ما أمكن، والهجوم عليها من خلال مَواطن ضعفها، لا قوتها. إن هذا المحتل يكون في أضعف حالاته عندما نستخدم أدوات المقاومة السلمية المعروفة دولياً والمؤيَدَة بحقنا الطبيعي في الحرية والاستقلال، تلك المقاومة التي تنسجم مع القانون الدولي الإنساني، والتي تحشد الدعم العالمي خلف قضيتنا العادلة، وفي نفس الوقت لا تسمح للمحتل باستخدام قدر هائل من القوة (إذ لكل فعل رد فعل)، كما أن ذلك لا يعطيه الفرصة المناسبة لتضليل الرأي العام بأكاذيبه وافتراءاته، بل تكشف تلك الإستراتيجية همجيته ووجهه القبيح، خاصة وأن المقاومة لا تدعي أنها تعمل لتحرير أراض جديدة متاخمة للقطاع في الوقت الراهن. نعم، لقد اختبرنا المقاومة الشعبية في الانتفاضة الأولى، حيث وافق المحتل (مضطراً) على معاهدات، تعطينا دولة بحلول عام 1999، لكن، لعل ما حدث خلال تلك الفترة الانتقالية (مع يقيننا أن المحتل يراوغ ولا يريد السلام العادل) ربما أعطى المبرر للمحتل للانسحاب من التزاماته، بحجة الخوف من عنف الفلسطينيين، بالذات بعد سنوات من عمليات استشهادية متكررة أوقعت المئات من القتلى الإسرائيليين، ولا شك أنها أسهمت في قلب المزاج الشعبي والسياسي في دولة الاحتلال. وقد اختبرنا المقاومة السلمية (ولو جزئياً بحسب ما قدمنا سابقاً) في مسيرات العودة، ولاحظنا حجم التأييد، الذي كان من الممكن أن يكون أكثر شمولاً وتأثيراً، لو استخدمنا أدوات أفضل. إن إخضاع أي محتل لشروط المقاومة ممكن، كما حدث في غزة، لكن هذا فقط عندما لا يمتلك المحتل من المصالح ما يكافئ الثمن الذي يدفعه، كما هو الحال في أراضي الضفة الغربية المحتلة عام 1967، والتي يقر العالم والقرارات الأممية أنها أراض محتلة. من أجل ذلك، يجب أن يكون واضحاً لدى المقاومة أن عليها محاولة تحقيق أهدافها باستخدام الأدوات المناسبة، والحد الأدنى من التكلفة والتضحيات، آخذة بعين الاعتبار أهمية دعم صمود الشعب، الذي هو الحاضنة الأساسية للمقاومة، والمخزون الرئيسي لأدوات وعناصر التحرير، وأن تجعل ذلك على رأس أولوياتها.

إن التزام التنظيمات العسكرية بالرؤى المذكورة أعلاه لا يجنبها الوقوع في المطبات السياسية، وتكرار الانزلاق نحو مواجهات متكررة وحروب مدمرة (تصب في صالح المحتل) فحسب، بل من الممكن أن تحقق المقاومة أيضاً فوائد عديدة، على رأسها الانتباه أكثر لبناء قدراتها، واستقرار أوضاعها. كذلك، الانفتاح السياسي على القوى السياسية الفلسطينية الأخرى والتعاون البناء معها، مما يُسَهِّل الوصول إلى إجماع وطني، وتوافقات سياسية داخلية. كما يتيح للمقاومة الانفتاح السياسي على دول الإقليم والقوى الدولية المؤثرة، وبناء جسور الثقة والتعاون معها، إضافة إلى الثمن السياسي الذي يمكن أن تكسبه. وأيضاً يشجع ذلك على استقرار المجتمع وبناء المؤسسات الفاعلة لخدمته، والمساهمة في تطوير قدراته ودعم صموده في كافة الميادين. وفي ذات الوقت تؤدي تلك الاستراتيجيات إلى تعرية موقف المحتل وإضعاف مواقفه، وتقليل وتيرة تطبيع علاقاته إقليمياً ودولياً، وإضعاف حججه وكشف زيفها، وإظهار صورته القبيحة أمام العالم أجمع، وإرغامه على الدخول في عملية سياسية حقيقية لا يمكنه التفلت من مستحقاتها بسهولة، إضافة إلى منعه من الاستفراد بالشعب الفلسطيني في حروبه، التي يخطط لها وينفذها من حين لآخر.

إن مثل هذه المعادلات والاستراتيجيات لن ترضي المحتل، وسيحاول جاهداً استدراج التنظيمات الفلسطينية المسلحة، بل وإحراجها بكافة الوسائل، كي تمارس بعض الأعمال التي تتيح وتبرر له استخدام أدوات القوة لديه، وفي نفس الوقت إظهار المقاومة وكأنها "حركات إرهابية" ، تعتمد العنف والاعتداء على "المدنيين الإسرائيليين الأبرياء"..! نخلص من ذلك أن على المقاومة أن تفهم المعادلة، وأن تستوعب الاستراتيجيات المذكورة وتطبقها بذكاء، وأن تكون حذرة بما يكفي كي تتجنب الاستدراج والوقوع في الشراك التي ينصبها لها المحتل، حتى تتمكن من تجريده من أهم عناصر قوته.

في الختام، فقد رأيت ضرورة التداول في هذا الأمر الهام ، وبصورة مباشرة وواضحة، وإن كان من وجهة نظر المراقب عن بعد، والناظر في التجربة ونتائجها. وهي رؤية شخصية بحتة، حاولت فيها وضع النقاط على الحروف، في موضوع – على أهميته - من النادر تناوله، آملاً أن يجد القارئ من المشتغلين بالوضع العام والمقاوم بعضاً من الأفكار المحددة. كما أتمنى أن تسهم تلك الأفكار في إيضاح الطريق، وصولاً إلى بناء استراتيجيات مواجهة ناجحة وفعالة ومفهومة، وصياغة أدوات مقاومة مناسبة تحقق تطلعات الشعب الفلسطيني وأهدافه بأقل الخسائر.  أو على الأقل أن تكون هذه المشاركة دافعاً لاستثارة الحديث والنقاش حول جوانب ومتعلقات وانعكاسات هذا الموضوع الهام.

* الكاتب أكاديمي فلسطيني – غزة. - Monzir394@gmail.com



الإسم
البريد الإلكتروني
التعليق
رمز الأمان

16 اّب 2018   أصنام الفوضى الخلاقة و"صفقة القرن"..! - بقلم: د. أحمد جميل عزم


15 اّب 2018   المقاطعة موقف مسؤول ... هل تعيد القطار إلى سكته؟ - بقلم: د. منذر سليم عبد اللطيف

15 اّب 2018   اجتماع للمركزي.. أم اجتماع لحركة "فتح"..؟ - بقلم: راسم عبيدات

15 اّب 2018   واشنطن تؤذي نفسها بوقف مساعدات الفلسطينيين..! - بقلم: د. أحمد جميل عزم

15 اّب 2018   صفقة التبادل بين "حماس" وإسرائيل..! - بقلم: حســـام الدجنــي

15 اّب 2018   لا تمتنعوا عن المشاركة..! - بقلم: عمر حلمي الغول

15 اّب 2018   اجتماعات رام الله والقاهرة وشبح العدوان..! - بقلم: د. أحمد الشقاقي



14 اّب 2018   مخاطر البديل عن "الأونروا"..! - بقلم: علي هويدي



14 اّب 2018   الطائرة الورقية والـF16 - بقلم: د. أحمد جميل عزم

14 اّب 2018   أخطار عملية الفحيص..! - بقلم: عمر حلمي الغول



8 حزيران 2018   ..هكذا خسر قطاع غزة أكثر من 40% من مساحته..! - بقلم: وسام زغبر










27 اّذار 2011   عداد الدفع المسبق خال من المشاعر الإنسانية..!! - بقلم: محمد أبو علان

13 شباط 2011   سقط مبارك فعادت لنا الحياة - بقلم: خالد الشرقاوي

4 شباط 2011   لا مستحيل..!! - بقلم: جودت راشد الشويكي



9 اّب 2018   في ذكرى الغياب..! - بقلم: شاكر فريد حسن



31 تموز 2018   في الثقافة الوطنية الديمقراطية - بقلم: شاكر فريد حسن


8 كانون ثاني 2011   "صحافة المواطن" نافذة للأشخاص ذوي الاعاقة - بقلم: صدقي موسى

10 تشرين ثاني 2010   رساله .. - بقلم: جودت راشد الشويكي

3 تشرين ثاني 2010   شخبطة صحفية - بقلم: حسناء الرنتيسي

27 تشرين أول 2010   المدلل .. - بقلم: جودت راشد الشويكي

21 تشرين أول 2010   فضفضة مواطنية - بقلم: حسناء الرنتيسي


4 اّذار 2012   الطقش


26 كانون ثاني 2012   امرأة في الجفتلك



 
 
 
top

English | الصفحة الرئيسية | كاريكاتير | صحف ومجلات | أخبار وتقارير | اّراء حرة | الإرشيف | صوتيات | صحفيون وكتاب | راسلنا

جميع الحقوق محفوظة © لشبكة  أمين الأعلامية 2018- 1996 
تصميم وتطوير شبكة أمين الأعلامية