11 October 2019   An Act Of Betrayal And Infamy - By: Alon Ben-Meir


3 October 2019   Israel’s Fractured Democracy And Its Repercussions - By: Alon Ben-Meir



26 September 2019   Climate Change: A Worldwide Catastrophe In The Making - By: Alon Ben-Meir




12 September 2019   The Last Dance: Trump, Putin, Netanyahu and Kim - By: Alon Ben-Meir















5 أيلول 2015   "من الأزل".. آخر كتب الراحل جونتر جراس - بقلم: المركز الألماني للإعلام (ألمانيا إنفو/ almania info)

24 أيلول 2019

ظهور حركات الإسلام السياسي وآثارها الفكرية والمجتمعية


بقلم: غازي الصوراني
طباعة     إرسال في البريد الإلكتروني

إن كل من يعتقد أن ظهور حركات سياسية مرتبطة بالإسلام، تعبئ جماهير واسعة، هي ظاهرة مرتبطة بشعوب متخلفة ثقافياً وسياسياً، لا تستطيع أن تفهم سوى اللغة الظلامية التي تكاد ترتد لعصورها القديمة وحدها، فإنه يقع في خطأ كبير-كما يقول بحق د.سمير أمين- فالشعوب الإسلامية لها تاريخها، مثل بقية الشعوب، والذي يمتلئ بالتفسيرات المختلفة للعلاقات بين العقل والإيمان، وبالتحولات والتغيرات المتبادلة للمجتمع وديانته. ولكن حقيقة هذا التاريخ تتعرض للإنكار لا على يد الخطاب الأوروبي المركزي وحسب، بل أيضاً على يد حركات الإسلام السياسي المعاصرة".

لكن الخطاب الإسلامي، الذي يقدم كبديل لخطاب النهضة والديمقراطية، والمواطنة، وحرية الرأي والعقيدة، هو خطاب ذو طابع سياسي، تحت غطاء ديني شكلاني وطائفي رجعي. فالإسلام السياسي يدعو إلى التغيير الذي يعيد إنتاج وتجديد التخلف عبر النموذج السلفي الرجعي، لخدمة مصالح طبقية كومبرادورية وطفيلية راهنة. ولم تحاول أية حركة إسلامية، "لاراديكالية ولا معتدلة"، أن تتبنى أفكار لاهوت التحرير أو أفكار الديمقراطية والمواطنة والنهضة، إذ أن كل اهتمامات حركات الإسلام السياسي بالدين الإسلامي ينحصر في العمل على تحقيق مشروعها السياسي الديني الذي يتلخص في إعادة نظام دولة الخلافة الإسلامية بما تعنيه من رفض لكافة صيغ أو مشاريع الدولة الوطنية القومية والديمقراطية الحديثة، ما يعني أن هذه الحركات تستخدم الشعارات الدينية لنقل الصراع – كما يقول د. سمير أمين- من مجال التناقضات الاجتماعية (الطبقية) إلى مجال العالم الخيالي أو السماوي الديني، وقد نجحت في ذلك ارتباطاً بالأوضاع الاجتماعية الاقتصادية المتردية، ومساندة القوى الطبقية الحاكمة من جهة، ودعم ومساندة بلدان النظام الرأسمالي العالمي من جهة ثانية خاصة وأن خطاب الحركات الإسلامية لا يتعارض أبداً مع خطاب رأس المال العالمي ومصالحه.

وفي هذا الجانب، نشير إلى عدم وجود أي اختلاف جوهري بين التيارات المسماة "بالراديكالية" للإسلام السياسي، وبين تلك التي تفضل تسمية نفسها "بالمعتدلة" فمشروع كل من النوعين متطابق.

العوامل التي شجعت انتشار الحركات الإسلامية:

أولاً: التبعية والتخلف والفقر والاستبداد:
بدايةً اشير الى التكوينات الاجتماعية تتعرض فى "العالم الرابع" للتفكيك فى ظل سياسة الكومبرادورية السائدة، وفى هذه الحالات، فإن تدهور الصراعات الطائفية والمذهبية نحو مجال الغيبيات يصير أحد المعطيات الكارثية الحقيقية للأوضاع الاجتماعية، حيث يعطى التحالف بين أموال البترول والخطاب المنهجى التقليدى الماضوي، أكبر ضمان لنجاح الخطط الإمبريالية لفرض الكومبرادورية على المنطقة.

وفي هذا السياق، فإن استغلال النظام الإمبريالي للأوضاع العربية المترديه في ظل العولمة الراهنة، وحرصه على إدامة حالة الخضوع والتبعية والتخلف انسجاماً مع مصالحه الاستراتيجية في بلادنا، التي تحوي في باطنها أكبر احتياطي استراتيجي من النفط في العالم، وما يعنيه بالنسبة للنظام الإمبريالي، الذي أسهم دوماً في التخطيط والدعم للحركات الإسلاموية في بلادنا، حفاظاً على تلك المصالح من جهة، ولتكريس وتعميق أهدافه في المرحلة الراهنة، عبر إعادة تفكيك وتقسيم البلدان العربية وفق أسس طائفية دينية ومذهبية واثنية، تمهيداً لتفتيتها إلى دويلات تابعة ومتخلفة، بما يضمن إدماجها تحت سيطرة النظام الرأسمالي العالمي، وما يعنيه هذا من ترسيخ تبعية وخضوع تلك الدويلات بالكامل وفق شروطه.

وفي هذا الجانب، فإنني أعتقد أن عجز أو ضعف السلطة المركزية في الدولة العربية عموماً، وفي سورية والعراق وليبيا واليمن خصوصا، وفر الظروف الملائمة لانتشار وتمدد الجماعات الإسلاموية المتطرفة من ناحية، وارتباط الصراع الداخلي بأبعاد ومنطلقات مذهبية وطائفية شكلت حاضنة اجتماعية لتلك الجماعات من ناحية ثانية. آخذين بالاعتبار حالة الانغلاق اللاهوتي الطائفي الذي يعيد الجماهير العفوية البسيطة إلى عقلية القرون الوسطى.

وعليه، فإن عجز أو تفكك الدولة القطرية كان سبباً في صعود تنظيم الدولة في سياق الفوضى الطاحنة في ليبيا، والفراغ السياسي ونمو الجماعات المرتبطة بالسلفية هناك، وفي اليمن مع سيطرة الحوثيين على صنعاء، ومع الأزمة البحرينية والأزمات الداخلية العربية، فهنالك اليوم حالة جديدة متنامية من تفكيك المجتمعات وانهيار السلطة الأخلاقية للدولة، والعودة إلى الأشكال الأولية من التعبير عن الهوية.

إن مثل هذه المناخات تخلق جاذبية لنموذج الدولة الإسلامية وقابلية لاستنساخه وتطبيقه في العديد من المجتمعات، طالما أن المسارات البديلة مغلقة إلى الآن، فليست خطورة هذا التنظيم أنه اجتاز الحدود وأقام كيانًا عابرًا لها، ومتوحشًا في سلوكه مع الخصوم، بل إنه أصبح نموذجًا للوعي الشقي السلبي ولحالة المجتمعات العربية والمسلمة، حيث وجدنا كيف سعت جماعات أخرى في ليبيا واليمن ومصر/ سيناء إلى استنساخه، فطالما أن الأزمة السياسية السنية لم تُحل، والأزمة السلطوية العربية قائمة، فإن هذا التيار والتيارات الأخرى، سواء كانت شيعية أو عِرقية أو غيرها ستجد فرصةً للنمو والصعود والتكيف مع الضغوط والظروف المختلفة، وإذا تراجعت في مكان ستتنشر في مكان آخر، ما يعني أن حركات التطرف الإسلاموي "ليست غريبة أبداً عن البيئة العربية، بل هي نتاجاً صادقاً وأميناً للواقع الراهن ومؤشراً موضوعياً للمدى الذي يمكن أن تصل إليه الانهيارات السياسية والأخلاقية والثقافية والمجتمعية، وهي أيضاً ليست كائناً غريباً عن مخرجات الأنظمة السلطوية الفاسدة من جهة والسياقات الاجتماعية المتردية من جهة ثانية، وجمود المنظومة الفقهية والفكرية والاختلالات التي تعاني منها من جهة ثالثة".
 
ثانيا: العوامل الاقتصادية التي شجعت انتشار الحركات الإسلامية:
1: التحولات الاقتصادية التي وقعت في ظل انفتاح النظام الساداتي في مصر، ثم في تونس والجزائر واليمن وسوريا أواخر عهد الرئيس حافظ الأسد، وصولاً إلى العدوان الأمريكي على العراق وسقوط النظام، ومن ثم انهيار ما تبقى من المشروع القومي، وكافة مشاريع التنمية على الصعيد الوطني، مما أفسح المجال واسعاً أمام ظهور "دولة الكومبرادور"، وتكريس التبعية والتخلف والإفقار، وبالتالي توفير وخلق المناخ الملائم لانبعاث الحركات الإسلامية السياسية، التي نجحت في استغلال ظروف الإفقار والاستبداد السائدة، وأن تقدم رؤيتها الخاصة لما حدث، وتعرض ما عرف بالحل الإسلامي البديل تحت شعار "الإسلام هو الحل"، في مناخ سياسي واجتماعي واقتصادي، تزايدت فيه مظاهر الحرمان والمعاناة للجماهير الشعبية الفقيرة، في جميع البلدان العربية غير النفطية بدرجات متفاوته، الأمر الذي أدى إلى توفير كافة العوامل التي عززت إعادة ظهور وانتشار حركة الإخوان المسلمين وغيرها من الحركات الإسلاموية التي تفرعت وولدت من بطن الجماعة الأم.

2: وفي ظل سياسة تزايد مظاهر الإفقار والاستبداد، تنامت الحركات والدعوات الإسلامية بصورة غير طبيعية وغير مسبوقة، حيث كثر بناء المساجد الأهلية، وظهر (أو تجدد) الاهتمام بمقامات الأولياء والأضرحة، وتزايد الإقبال على الطرق الصوفية، وأصبحت الجماعات الدينية، خاصة جماعة الإخوان المسلمين، تملك المؤسسات المالية والاقتصادية والعقارية، والمستشفيات، والمدارس، والشركات، وتعددت وتشعبت نشاطاتها، بحيث جاوزت المهام الدينية لتقدم من خلال المساجد العديد من أشكال الرعاية الاجتماعية والصحية والتعليمية والاقتصادية، كما لوحظ انتشار هذه الظاهرة على المستوى الفكري عبر انتشار الكتابات الدينية، وإعادة وطبع كتابات "إسلامية" جسدت الرؤية الوهابية المتخلفة، المعبرة عن المصالح الطبقية للأسرة الحاكمة في السعودية، وبقية الأسر، والمشايخ في الخليج العربي، كما عبرت عن مصالح الكومبرادور المتنامي في بقية الدول العربية، لكنها نجحت في الانتشار عبر مخاطبة الوعي العفوي للجماهير الشعبية الفقيرة في معظم الدول العربية، وذلك من خلال التركيز على الشكليات والبدع والخرافات، ورفض مفاهيم الحداثة والتقدم العلمي، إلى جانب التركيز على رفض الديمقراطية والعدالة الاجتماعية بمضمونها الاشتراكي، كما رفضت مفاهيم  العلمانية، والوطنية والقومية والمواطنة والتقدم، دون أي إشارة تدعو إلى النضال ضد الإمبريالية، والدولة الصهيونية.
 
ثالثا: تأثير الخطابات والشعارات والكتابات السلفية المتزمتة في انتشار الحركات الاسلامية:
لقد راجت هذه الكتابات واتسع سوقها وجمهورها (تطبع بالملايين وتوزع بسعر زهيد أو مجاناً!) إلى جانب المجلات والدراسات التي تؤكد على الخطاب الأيديولوجي الديني، الذي يقوم على تمجيد الماضي وإضفاء حالة القداسة عليه.

فعلى المستوى القانوني والتشريعي، ارتفعت الأصوات المطالبة بإلغاء كل تشريع ديمقراطي يتعارض مع الشريعة الإسلامية، داعية إلى تطبيق الشريعة وإلغاء القوانين الوضعية، ومطالبة الحكومات بإصدار تشريعات لمعاقبة الكتاب والمفكرين الذي يتعرضون للإسلام بسوء.

وفي هذا الجانب، نشير إلى أحد أهم عوامل التخلف الفكري في الثقافة العربية، المرتبط بالمناهج، والكتب التربوية، في المدارس والجامعات العربية، التي تكرس المفاهيم السلفية الشكلية من منطلق التناقض مع المفاهيم والقيم الحضارية الحديثة، خاصة قيم الاختلاف والرأي والرأي الآخر والديمقراطية والمواطنة وتعلن رفضها لمفاهيم الوطنية والقومية، علاوة على انها لا تتناول أي إشارة إلى التنوع الديني في بلادنا من منطلق المساواة أمام القانون، بل إن معظم الكتب المقررة للتعلم في المدارس العربية تعتبر الإسلام حقيقة مطلقة ووحيدة، بل تشجع على التطرف والعنصرية تجاه الآخر، الأمر الذي يدرج الطوائف والعقائد الأخرى ضمن مفاهيم الضلال والكفر، ويسهم في تربية جيل ناقل وحافظ للمعلومة، غير قادر على الخلق والتفكير الموضوعي السليم، وكل ذلك يعود إلى أن النظام التربوي في الوطن العربي يحد من القدرة لدى الطالب على طرح الأسئلة وعلى فهم المعلومة المقدمة له، وإعادة صياغتها في عقله، بشكل نقدي بل يؤسس ويكرس لفعل قمع العقل عن التساؤل وتهيئته فقط للتلقي، ما يسطح عقلية الطلاب ويخلق منهم جيلاً ناقلاً لا فاهماً أو مساهمة في صنع الفكرة، بحيث بات الدين في ثقافة المجتمع عموماً، والأطفال وطلاب المدارس خصوصاً، هو جزء أساسي من الخبرات التي يتلقاها الأطفال في عمر مبكر جدا أثناء تنشئتهم. فمنذ سن الرابعة أو الخامسة، يبدأون التعرف على الله والجنة والنار، ويصبحون على تماس مباشر بطقوس الصلاة والصيام والحج. ويُطلب منهم استظهار أناشيد وقصص تتعلق بالرسول والصحابة وغيرها من القصص الدينية. وهذا الشكل من التنشئة لا يقتصر على الأسر الذي يأخذ تدينها طابعا فكريا أيديولوجيا، بل إن له طابعا اجتماعيا عاما. ويجب أن نعترف أن هذه التنشئة عموما، لا ترحب بالآخر المختلف دينيا، بل هي على النقيض ترفضه، إذ هي تتعامل مع العقيدة الإسلامية هنا بوصفها الحقيقة الجاهزة المكتملة المطلقة، غير القابلة للنقاش، ويوصم كل ما عداها من عقائد بالضلال، ويتلقى الأطفال هذا النوع من التنشئة في وقت يستخدم فيه الدين في الوقت الحاضر، كما استخدم دوما، أداة لإثارة النزاعات وإدارتها، ومن هنا يأتي خطر أن تظل المدرسة امتدادا لهذا النوع من التنشئة.

ومن هنا فإن المحتوى التعليمي لكتب الصفوف الثلاثة الأولى، لا يمثل خطوة باتجاه تكريس ثقافة التسامح الديني، والاعتراف بحق الآخر في الوجود، بل هو في الحقيقة يواصل تكريس القيم النقيضة لها.

وفي هذا السياق، فإننا نخطئ خطأً جسيماً لو ظننا أن تجديد الفكر الدينى يتمثل أساسا فى مراجعة ونقد بعض الأفكار المتطرفة المبثوثة فى الخطاب الديني، وذلك لأن المطلوب قبل إحداث ثورة دينية هو القيام بـ"ثورة معرفية" تركز على مناهج التعليم العتيقة البالية سواء فى المعاهد الأزهرية التى تخصصت فى تعليم الفكر الديني، أو في مؤسسات التعليم المدني الزاخرة بقشور العلم، والتي لا محل فيها لفكر ديني مستنير.

"وهذه الثورة المعرفية المقترحة لها أركان أساسية، أهمها على الإطلاق تأسيس العقل النقدي الذي يطرح كل الظواهر الاجتماعية والثقافية والطبيعية للمساءلة وفق قواعد التفكير النقدى المسلم بها في علوم الفلسفة والمنطق. والركن الثاني تجسير الفجوة بين العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية على أساس مبدأ وحدة العلوم. والركن الثالث هو الدراسة العلمية للسلوك الديني لمعرفة صوره وأنماطه السوية والمنحرفة على السواء. والركن الرابع والأخير استخدام الاكتشافات الجديدة في علم اللغة والمنهجيات المستحدثة في تحليل الخطاب لتأويل الآيات القرآنية حتى تتناسب أحكامها مع روح العصر".

والنتيجة أن مجتمعاتنا العربية، أصبحت تعاني من ازدواجية واضحة على مختلف المستويات العمرانية، والاقتصادية، والاجتماعية، والقانونية، والإدارية، والثقافية. ازدواجية تتمثل في وجود قطاعين أو نمطين من الحياة الفكرية والمادية، منفصلين ولكنهما متعايشان معاً داخل المجتمع الواحد: أولهما عصري، مستنسخ عن النموذج الغربي، ومرتبط به ارتباطاً تبعياً، والثاني تقليدي أو أصيل، وهو استمرار لما كان قائماً من قبل التغلغل الإمبريالي، ويتم الدفاع عنه بدعوى الأصالة والحفاظ على تراث الأسلاف..!

وفي هذا السياق أشير بوضوح شديد إلى أن أزمة فكرنا وواقعنا ليست فحسب أزمة تخلف وتبعية، بل هي أيضاً أزمة معرفة وأزمة تنمية وأزمة انظمة مستبدة، وأزمة تفارق صارخ بين مستويات الثروة والتحضر ومستويات المعيشة، والديمقراطية والعلم والثقافة، أزمة علاقة بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني، أزمة هيمنة خارجية استغلالية على مقدرات حياتنا ومنطلقات تنميتنا الاجتماعية والثقافية والقومية، إنها في النهاية أزمات مستفحلة ومتداخلة نتيجة ضعف احزاب وفصائل اليسار العربي وفقدانها للرؤية الاستراتيجية الشاملة والبرامج والاليات المطلوبة لمجابهة الازمات وتجاوزها صوب التغيير التحرري الديمقراطي النهضوي المنشود.

وبالتالي فان بلورة رؤيتنا الوطنية والقومية الديمقراطية - كما يقول بحق المفكر الماركسي الراحل أ. محمود العالم - مرهونة بوعينا وبنضالنا للانتصار على أزمة فكرنا وواقعنا، وهي ليست فحسب أزمة تخلف وتبعية، بل هي أيضاً أزمة معرفة وأزمة تنمية وأزمة نظام وأزمة حكم وأزمة تفارق صارخ بين مستويات الثروة والتحضر ومستويات المعيشة، والديمقراطية والعلم والثقافة، أزمة علاقة بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني، أزمة هيمنة خارجية استغلالية على مقدرات حياتنا ومنطلقات تنميتنا الاجتماعية والثقافية والقومية، إنها في النهاية أزمة فكر نظري نتيجة لمختلف هذه الأزمات المتداخلة، ونتيجة فقداننا للرؤية الاستراتيجية الشاملة لتغيير الواقع وتجديده، ولن نتجاوز تخلفنا وتبعيتنا إلا بمشروع تنموي قومي شامل ذي أبعاد اقتصادية واجتماعية وتعليمية وثقافة وإعلامية وقيمية، ومشروع يستوعب تراثنا العربي الإسلامي استيعابا عقلانيا نقديا، ويضيف إليه، ويستوعب حقائق عصرنا الراهن استيعابا عقليا نقديا.

لكن الإشكالية الكبرى، أن المجتمع العربي يتعرض اليوم لهذه الأحوال المأزومة بكل أبعادها، في اللحظة التي انتقل فيها العالم من مرحلة تاريخية سابقة، إلى المرحلة الجديدة أو العولمة، بتسارع غير مسبوق، وبمتغيرات نوعية تحمل في طياتها، في الحاضر والمستقبل، تحديات غير اعتيادية، لا يمكن امتلاك القدرة على مواجهتها إلا بامتلاك أدواتها المعرفية والعلمية، وهو هدف لا يمكن تحقيقه في ظل استمرار بقاء السيطرة الإمبريالية على قدراتنا عبر تحالفها غير المقدس مع أنظمة التبعية والخضوع في بلادنا من جهة، او في ظل استفحال مظاهر التخلف والاستبداد من جهة ثانية، بما يؤكد على ترابط العاملين الداخلي والخارجي، ومواجهتهما معاً في سياق عملية التغيير المطلوبة لمجتمعنا العربي، ذلك إن "الاستلاب الأيدلوجي بشكليه السلفي والاغترابي – كما يقول جاد الكريم الجباعي -هو ابرز الآليات الداخلية التي تعيد إنتاج التأخر، وتعيد إنتاج الاستبداد وتحافظ على البنى والعلاقات والتشكيلات القديمة ما قبل القومية، فالعلاقة بين المستوى الأيدلوجي السياسي والمستوى الاجتماعي الاقتصادي، هي علاقة جدلية، تحول كل منهما الآخر في الاتجاهين"، الامر الذي يفرض على القوى الديمقراطية واليسارية ان تبادر الى الخروج من ازماتها الفكرية والسياسية والمجتمعية لكي تفرض وجودها وانتشارها عبر بديلها الديمقراطي القادر وحده على كسر وتجاوز حالة الاستقطاب المرعبة بين قوى اليمين والتخلف والتبعية والاستبداد والخضوع صوب مستقبل عربي تحكمه معايير التنوير والمواطنة والثورة الديمقراطية بآفاقها الاشتراكية.

* كاتب ومفكر فلسطيني- غزة. - cdideology@hotmail.com



الإسم
البريد الإلكتروني
التعليق
رمز الأمان

19 تشرين أول 2019   اتعظوا يا أولي الألباب..! - بقلم: مصطفى إبراهيم

19 تشرين أول 2019   بسام الشكعة.. العظماء لا يموتون - بقلم: جواد بولس

19 تشرين أول 2019   الحرب المفتوحة ضد "الأونروا"..! - بقلم: معتصم حماده

19 تشرين أول 2019   لبنان على مفترق طرق..! - بقلم: عمر حلمي الغول

18 تشرين أول 2019   فعل خيانة وعــار..! - بقلم: د. ألون بن مئيــر

17 تشرين أول 2019   آخر معاركه..؟ - بقلم: محمد السهلي


17 تشرين أول 2019   أحجّية السياسة الخارجية لترامب..! - بقلم: صبحي غندور

17 تشرين أول 2019   في الذكرى الخامسة لرحيله.. مات "الخال" في 17 أكتوبر.. اليوم الذي أحب - بقلم: عبد الناصر عوني فروانة

17 تشرين أول 2019   من يوميات السلطة الفلسطينية وحكومتها..! - بقلم: معتصم حماده


17 تشرين أول 2019   نظرة في الواقع السياسي العربي..! - بقلم: شاكر فريد حسن

17 تشرين أول 2019   ملاحظات على مقال "أزمة اليسار الفلسطيني"..! - بقلم: عمر حلمي الغول

16 تشرين أول 2019   17 أكتوبر: بطولة استثنائية - بقلم: عبد الناصر عوني فروانة

16 تشرين أول 2019   حول المسألة الانتخابية في فلسطين - بقلم: د. إبراهيم أبراش



3 أيلول 2019   "بردلة".. انتزاع الحق بسواعد مكبلة..! - بقلم: اتحاد الجان العمل الزراعي





3 تموز 2019   تحذيرات تلوث بحر غزة لم تنفر مصطافيه..! - بقلم: وسام زغبر





27 اّذار 2011   عداد الدفع المسبق خال من المشاعر الإنسانية..!! - بقلم: محمد أبو علان

13 شباط 2011   سقط مبارك فعادت لنا الحياة - بقلم: خالد الشرقاوي

4 شباط 2011   لا مستحيل..!! - بقلم: جودت راشد الشويكي


13 تشرين أول 2019   عمان: لعله فصل من سيرتنا..! - بقلم: تحسين يقين

9 تشرين أول 2019   الحالمُ والنبيّ والمجنون..! - بقلم: بكر أبوبكر

7 تشرين أول 2019   الشاعر والروائي والصراع على ما تبقى..! - بقلم: فراس حج محمد

7 تشرين أول 2019   فيلم "وباء عام 47".. كأنّه عن فلسطين..! - بقلم: د. المتوكل طه

5 تشرين أول 2019   عبد الناصر صالح الشاعر الوطني والانسان المناضل - بقلم: شاكر فريد حسن


8 كانون ثاني 2011   "صحافة المواطن" نافذة للأشخاص ذوي الاعاقة - بقلم: صدقي موسى

10 تشرين ثاني 2010   رساله .. - بقلم: جودت راشد الشويكي

3 تشرين ثاني 2010   شخبطة صحفية - بقلم: حسناء الرنتيسي

27 تشرين أول 2010   المدلل .. - بقلم: جودت راشد الشويكي

21 تشرين أول 2010   فضفضة مواطنية - بقلم: حسناء الرنتيسي


4 اّذار 2012   الطقش


26 كانون ثاني 2012   امرأة في الجفتلك



 
 
 
top

English | الصفحة الرئيسية | كاريكاتير | صحف ومجلات | أخبار وتقارير | اّراء حرة | الإرشيف | صوتيات | صحفيون وكتاب | راسلنا

جميع الحقوق محفوظة © لشبكة  أمين الأعلامية 2019- 1996 
تصميم وتطوير شبكة أمين الأعلامية